المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَقَّ مَعْنَاهُ عَنِ الإِيمَاءِ وَالإِشَارَةِ، وَتَلَطَّفَ عَنِ التَّحْدِيدِ وَالعِبَارَةِ، وَعَلَا عَنِ التَّجْسِيمِ وَالقَوْلِ فِي العَقْلِيَّاتِ، وَلَطُفَ كَوْنُ نُورِهِ عَنْ غَوَامِضِ ذَوِي الظُّنُونِ المُبْدِعَاتِ. وَتَنَزَّهَ عَنِ النُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ، وَخَفِيَ عَنْ قَلَائِدِ عِزِّهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعَلَا عَنْ تَنَاهِي لَطَائِفِ المَخْلُوقَاتِ.
بَطَنَ فَلَمْ تُدْرِكْهُ العُيُونُ وَالأَبْصَارُ، وَظَهَرَ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ الظُّنُونُ وَالأَفْكَارُ، وَاسْتَتَرَ بِاسْمِهِ فَلَمْ تُظِلَّهُ الخَوَاطِرُ وَالأَوْهَامُ، وَاشْتَهَرَ فَلَمْ تَبْلُغْهُ العُقُولُ وَالأَفْهَامُ.
فَإِنْ سَمَّيْتَهُ بِاسْمٍ فَلِخَلْقِهِ سَمَّيْتَ، وَإِنْ أَوْمَأْتَ إِلَيْهِ بِقَوْلٍ كَنَّيْتَ وَعَنَّيْتَ، وَإِنْ أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِصِفَةٍ فَلِغَيْرِهِ أَشَرْتَ وَقَصَدْتَ، وَإِنْ دَلَلْتَ عَلَيْهِ بِنَعْتٍ فَعَلَى حُدُودِهِ دَلَلْتَ.
انْحَصَرَتْ دُونَهُ آلَاتُ الأَلْسُنِ، وَانْحَسَرَتْ عَنْ كُنْهِ ذَاتِهِ لَحَظَاتُ الأَفْكَارِ وَالجِنَانِ. قَدُمَ جَلَالُهُ فِي كُلِّ إِنْسٍ وَجَانٍّ، وَمَدَّتْ عَنَاصِرُ أَيَادِيهِ بِأَقْصَى الأَرْجَاءِ وَالأَقْطَارِ.
فَلَيْسَتِ الأَبْصَارُ لَهُ بِوَاعِيَةٍ، وَلَا الأَذْهَانُ لَهُ بِدَارِيَةٍ، بَلْ بِتَمْكِينِ أَلْطَافِهِ، وَوُجُودِ قَدِيمِ أَعْطَافِهِ؛ هَدَاهُمْ إِلَى التَّعَبُّدِ لَهُ عَلَى أَلْسُنِ أَهْلِ الوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ.




