لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَا فَعَلَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ الْبَاهِرَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا رَبُّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَواتِ لَكِنَّهُمْ لِكُفْرِهِمْ، وَجُحْدِهِمْ وَإِنْكَارِهِمْ عَمُوا عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ، وَكَانُوا مِمَّنْ يَسْتَحِبُّ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَةِ "الْمَصْرِيَّةِ": الْحَقُّ: مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ، الَّذِي هُوَ الْحَقُّ.
وَقَالَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : الْعَيْنُ حَقٌّ كَمَا أَنِّي رَسُولُ اللهِ حَقٌّ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي عَايَنْتُهُ، وَآمَنْتُ بِهِ، وَفَرَّقْتُ مَعْرِفَتَهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
أَقُولُ: إِنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ لِلِاسْتِنْكَارِ، أَيْ: إِنَّهُمْ لَوْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ، لِأَنَّ دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَاحِدَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، وَلَا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الْمَكَانِ وَكَلَامُهُمْ وَاحِدٌ وَإِشَارَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى عِبَادَةِ إِلَهٍ وَاحِدٍ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَعَتَوْا وَتَجَبَّرُوا، وَجَحَدُوا وَكَذَّبُوا وَأَنْكَرُوا، عَرَفُوا الْحَقَّ مَوْلَانَا أَمِيرَ النَّحْلِ، وَلَمْ يَعْتَقِدُوا أُلُوهِيَّتَهُ، وَأَنْكَرُوا مَعْنَوِيَّتِهِ فِي كُلِّ ظُهُورٍ ظَهَرَ بِهِ، وَعَرَفُوا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَاتَّبَعُوه، وَصَارُوا أَشْيَاعًا لَهُ وَأَتْبَاعًا، وَالشَّرَائِعُ وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَبَدَّلُ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ وَالْأَعْوَامِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا هُوَ الْفَسَادُ، -جَلَّ وَعَلَا- عُلُوًّا كَبِيرًا، وَلَكِنْ ذَكَرَ




