وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي "الرِّسَالَةِ": فَقَدْ مَثَّلَ الذَّاتَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الْأَدْهَانِ، الثَّابِتَةِ الْأَرْكَانِ، فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ الْبَاسِقَةِ الْفُرُوعِ وَالْأَغْصَانِ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ، تُؤْتِي أُكُلَهَا فِي كُلِّ فَوْرٍ، بِنَضَّاخَةِ النُّورِ الْفَائِضِ مِنِ ازْدِيَادِ الْكَنْهُورِ، لِكَوْنِ الضِّيَاءِ الْمَشْهُورِ وَالظِّلِّ الْمَثْبُوتِ لِلْإِيجَادِ وَالظُّهُورِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ، وَالْقَوَانِينِ الْمُوَجِبَةِ فِي صِفَاتِ الْوُجُودِ، وَهُوَ يَجِلُّ عَمَّا وَقَعَ مِنَ التَّمْثِيلِ، وَعَمَّا ضُرِبَ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي وُجُودِ ذِي الْإِكْرَامِ وَالْإِجْلَالِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ 21 وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ 22 وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ 23﴾
قَالَ الْسَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي كِتَابِ "الْأَنْوَارِ وَالْحُجُبِ": ﴿الْأَنْعَامُ﴾: أَوَّلُ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجِ الْمُخْلَصِينَ، وَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا كَانَتْ تُسَمَّى بِهَا دَرَجُ الْمَرَاتِبِ فِي الْقِدَمِ، قَبْلَ أَنْ تَحْدُثَ هَذِهِ الْآلَاتُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَصَارَ لَفْظُ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى هَذِهِ الْآلَاتِ الظَّاهِرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَبَاطِنًا عَلَى الْأَشْخَاصِ الْمَحْمُودَةِ النُّورَانِيَّةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: وَهُوَ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ وَتَرْتِيبِهَا، وَمَعْرِفَةُ مَرَاتِبَهَا، وَهُوَ الْعِلْمُ الْمَعْنَوِيُّ الَّذِي فِي بُطُونِ هَؤُلَاءِ




