وَكَذَا مَحَلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَحَلِّ الْأَجْسَامِ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
فَإِنْ أَرَدْتَ تَصَوُّرَ ذَلِكَ فَانْظُرْ فِي حَالِ نَفْسِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ جِسْمِكَ، فَإِنَّ نَفْسَكَ تَتَصَوِّرُ مِنَ الدَّائِرَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى كُرَةِ الْأَرْضِ قِطَعًا مِنْهَا، أَيْضًا دَرَجَةُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ بِتَصَوُّرٍ وَاحِدٍ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَصِلُ جِسْمُكَ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ إِلَّا بِالتَّدَرُّجِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فِي مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ ذَلِكَ لِأَنَّ نَفْسَكَ جَوْهَرَةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْحُدُودِ الزَّمَانِيَّةِ الْجِسْمَانِيَّةِ فَتُحِيطُ بِأَوَّلِ الزَّمَانِ وَآخِرِهِ بِالْتِفَاتَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَظَرٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ جِسْمِكَ، فَإِنَّهُ مَحْدُودٌ بِالْحُدُودِ الزَّمَانِيَّةِ، فَلَا يَقْطَعُهَا إِلَّا بِالتَّدَرُّجِ، وَلَوْ بَلَغَ الْجِسْمُ مِنَ اللَّطَافَةِ إِلَى حَدِّ الْكَمَالِ، شَابَهَ الرُّوحَ وَحَكَى أَفْعَالَهَا، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرُّوحِ فِي طَيِّ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ.
وَأَمَّا الْمَعْصُومُونَ: فَهَذِهِ حَالُ أَجْسَامِهِمُ الشَّرِيفَةِ مِنْ بَدْءِ أَمْرِهِمْ، فَلَا تَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ الْأَعْرَاضِ كَسَائِرِ النَّاسِ لِعَدَمِ كَثَافَةِ أَجْسَامِهِمْ، لِأَنَّ أَجْسَادَهُمْ كَانَتْ بِحُكْمِ الرُّوحِ شَفَّافَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ يُرَى لَهُ فَيْءٌ فِي شَمْسٍ وَلَا ظِلٌّ فِي قَمَرٍ، وَيَرَى مِنْ وَرَائِهِ، كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ 48﴾




