يَدِ سَلْمَانَ فَقَالَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : يَا أَبَا ذَرٍّ وَرَدَ كِتَابُ مَلِكِ الْحَبَشَةِ قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِ سَلْمَانَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ -مِنْهُ السَّلَامُ- : كَلَّا وَلَكِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ أَبُو ذَرٍّ بِالْكِتَابِ إِلَيْهِ عَادَ بِجَوَابِهِ إِلَيَّ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : فَفِي أَيِّ مُدَّةٍ كَانَ مَا تَقُولُهُ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ -مِنْهُ السَّلَامُ- : فِي مُدَّةِ مَا قَضَى الْمِقْدَادُ فِيهَا وَطَرَهُ وَأَكَّدَ حَالَهُ، فَعَلِمَ الْمِقْدَادُ أَنَّ سَلْمَانَ اسْتَخْصَصَ أَبَا ذَرٍّ مِنْ دُونِهِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَفَضَّلَهُ بِهَا كَمَا كَانَ السَّيِّدُ الْأَكْبَرُ اسْتَخْصَصَهُ بِالْمَنْزِلَةِ بَعْدَ الْمَنْزِلَةِ، وَفَضَّلَهُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- مِنْ حَيْثُ لَا يُوجِدُهَا سَلْمَانُ إِلَّا بَعْدَ كَوْنِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ رُتْبَةُ الِاخْتِصَاصِ، اخْتَصَّ بِهَا الْبَابُ لِأَبِي ذَرٍّ وَذَلِكَ فِي سَبْقِ كَوْنِ النُّورَانِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مَحْمُودُ قَرْفُولٌ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ": إِنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: هُوَ فِي قَانُونِ الِامْتِزَاجِ، ﴿وَلَمْ يُحِطْ﴾: بِاحْتِيَاطِ الِاسْمِ -عَزَّ عَزُّهُ- . وَجَاءَ بِالْخَبَرِ الْيَقِينِ: مُصَرِّحًا بِتَجْرِيدِ الْوُجُودِ عَنِ الْإِضَافَاتِ وَالْحُدُودِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بِلِسَانِ الْبَابِ -مِنْهُ السَّلَامُ- لِأُولِي الْأَلْبَابِ: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، وَالضَّمِيرُ عَنْ بِلْقِيسَ، وَهِيَ بَابِيَّةٌ فِي الظُّهُورِ الْآصِفِيِّ وَهِيَ جَوْهَرَةُ الْبَابِ وَصَفْقَتُهُ، لِأَنَّ الْبَابَ النَّاطِقَ كَانَ فِي عَهْدِ السَّيِّدِ سُلَيْمَانَ -عَزَّ عَزُّهُ- هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَمْعَانَ، وَالضَّمِيرُ فِي {تَمْلِكُهُمْ} يَعُودُ عَلَى الْقَوْمِ، وَقِيلَ عَلَى الطَّيْرِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: يَعْنِي أَنَّ الْبَابَ مِنْهُ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهُ التَّفْوِيضُ بِالْوَحْيِ وَالْعِلْمِ.




