وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: أَيْ إِذَا انْكَشَفَ لَكُمْ ظُهُورُهَا بِالْقُدْرَةِ فَاذْكُرُوهَا بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَوْقِعُوا تِلْكَ الصِّفَةَ إِلَيْكُمْ، لِأَنَّ الْجُنْبَ: هُوَ إِثْبَاتُ الصِّفَةُ الْبَشَرِيَّةُ، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: أَيْ اعْرِفُوهَا، لِأَنَّ الطَّعَامَ فِي الْبَاطِنِ هُوَ الْعِلْمُ، اعْرِفُوهَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ بِظُهُورِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ أَنَّهَا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الصُّورَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: الْقَانِعُ: الَّذِي اقْتَنَعَ بِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ وَاكْتَفَى بِهَا، وَرَغِبَ بِهَا وَحْدَهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقِيلَ الْقَانِعُ: الْعَارِفُ بِالْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ الْمُكْتَفِي بِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْوُجُودِ النُّورِيِّ فَإِنْ رَأَيْتُمُوهُ مُجِدًّا مُجْتَهِدًا فَعَرِّفُوهُ وَعَلِّمُوهُ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُعْتَرُّ: هُوَ: الطَّالِبُ لِهَذَا السِّرِّ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أَيْ إِنْعَامُهُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الظُّهُورِ بِحِلْيَتِكُمْ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾: أَيْ بِالْحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنِ الصُّورَةُ لَحْمًا وَلَا دَمًا، بَلْ قُدْرَةً وَنُورًا، ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى﴾: أَيِ الْمُتَّقُونَ الْعَارِفُونَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ يَتَّقُونَهَا مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ الْعَارِفِ التَّنْزِيهُ إِلَّا بَعْدَ الْإِشَارَةِ.




