وَفِي الْبَاطِنِ: دَلَالَةٌ عَلَى طُلُوعِ الْمَنَازِلِ الْفَلَكِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مَنْزِلَةً أَنْ تُوجَدَ فِي الْأُفُقِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بَلْ إِنَّمَا لَمْ تَزَلْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ظَاهِرَةً وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ غَائِبَةً.
فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ ظَاهِرَةً وَالْقَمَرُ غَائِبًا: كَانَتْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَنْزِلَةً ظَاهِرَةً لِظُهُورِهَا، وَذَلِكَ مِنْ مَشْرِقِ الْأُفُقِ إِلَى مَغْرِبِهِ، وَإِذَا كَانَ الْقَمَرُ ظَاهِرًا وَالشَّمْسُ غَائِبَةً: تَكُونُ الْحَالُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَازِلِ فِي الْوُجُودِ وَالْغَيْبَةِ، وَإِنَّ وُجُودَ الْأَرْبَعِ عَشْرَةَ مَنْزِلَةً لَمْ يَزَلْ كَائِنًا كُلَّمَا غَابَتْ مِنْهُنَّ مَنْزِلَةٌ فِي الْغُرُوبِ، ظَهَرَتْ مَنْزِلَةٌ عِوَضَهَا فِي الشُّرُوقِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا 62﴾
قَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنٌ أَحْمَدُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "تَذْكِرَةِ الْمُرِيدِينَ": كَانَ أَوَّلُ ظُهُورِهِ بِهَابِيلَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا لَهُ: أَنْتَ ذَلِكَ النُّورُ الْعَظِيمُ، أَنْتَ رَبُّنَا، فَلَمَّا ثَبَتَ لِأَهْلِ الْإِقْرَارِ إِقْرَارُهُمْ فِي الظُّهُورِ الْأَوَّلِ بِالنُّورَانِيَّةِ، وَلَزِمَ أَهْلَ الْجُحُودِ جُحُودُهُمْ بِاخْتِبَارِهِ لَهُمْ بِالظُّهُورِ غَابَ عَنْهُمْ لِوَقْتِهِ، فَجَعَلَ تِلْكَ الْغَيْبَةَ الَّتِي أَظْهَرَهَا مِثَالًا لِلَّيْلِ وَجَعَلَهَا لِبَاسًا، أَيْ تَلْبِيسَ الْحَالِ عَلَى الظُّهُورِ، وَاللَّيْلُ دَلِيلٌ عَلَى الْغَيْبَةِ فَصَارَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ: مَثَلًا عَلَى الْغَيْبَةِ وَالظُّهُورِ.




