أَيْ: أَنَّ النُّورَ الْمُجَرَّدَ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِالتَّحْدِيدِ، وَلَمَّا تَحَقَّقَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَا تُضْرَبُ بِهِ الْأَمْثَالُ، وَلَا فِي تَحْدِيدِ ذَاتِهِ لِلْقَائِلِ مَقَالٌ، نَزَّهُوا الْبَارِيَ عَنْ مَوْقِعِ صِفَاتِ التَّمْثِيلِ، وَأَوْقَعُوا ذَلِكَ عَلَى الِاسْمِ، وَالْبَابِ، وَالْيَتِيمِ:
وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ مَوْلَانَا الصَّادِقِ : -عَزَّ عَزُّهُ- إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا ظَهَرَ لِخَلْقِهِ بَدَا بِثَلَاثَةِ حُجُبٍ مِنْهَا يَحْجُبُ ذَاتَهُ بِنُورِهِ، وَيَحْجُبُ نُورَهُ بِضِيَائِهِ وَيَحْجُبُ ضِيَاءَهُ بِظِلِّهِ، وَهِيَ أَنْوَارٌ لَا أَجْسَامٌ وَلَا أَبْشَارٌ.
فَلِذَلِكَ أَثْبَتُوا أَنَّ النُّورَ: هُوَ الِاسْمُ الْعَظِيمُ، وَأَنَّ الضِّيَاءَ: هُوَ الْبَابُ الْمُقِيمُ، وَأَنَّ الظِّلَّ: هُوَ الْأَلِفُ الْيَتِيمُ، وَأَنَّ البَارِيَ تَعَالَى يُرِي ذَاتَهُ كَصَفَاتِهِم، بِمُقْتَضَى تَجَلِّيهِ لَهُمُ، وَهُوَ يُجَلُّ عَنِ الْصِّفَةِ وَالْمَثَلِ، لِأَنَّنَا إِذَا نَزَّهْنَا الذَّاتَ عَنِ اسْمِ النُّورِ، وَصِفَةِ النُّورِ، وَقَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ وَالصِّفَةُ بِالْمِيمِ، وَإِذَا نَزَّهْنَا الذَّاتَ عَنِ اسْمِ الضِّيَاءِ وَصِفَةِ الضِّيَاءِ وَقَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ وَالصِّفَةُ بِالْبَابِ، وَإِذَا نَزَّهْنَا الذَّاتَ عَنِ اسْمِ الظِّلِّ وَصِفَةِ الظِّلِّ، وَقَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ وَالصِّفَةُ بِالْأَلِفُ الْيَتِيمِ، فَلِذَلِكَ يُقَالُ: إِنَّ النُّورَ وَالضِّيَاءَ وَالظِّلَّ هُمُ: الِاسْمُ وَالْبَابُ وَالْيَتِيمُ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَجَرُّدِ الذَّاتِ عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَإِذَا ظَهَرَتِ الذَّاتُ وَتَرَاءَتْ فِي هَذِهِ الْمَظَاهِرِ أَوْ فِي غَيْرِهِمْ، فَلَا يُمْكِنُ لِلْعَارِفِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَهَا بِأَسْمَائِهَا




