الْكَائِنُ فِي بَاطِنِ ذَلِكَ الْقِنْدِيلِ مَثَلًا عَلَى الضِّيَاءِ الْمُشْرِقِ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ وَجَعَلَ الزُّجَاجَةَ: مَثَلًا عَلَى الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ الَّذِي هُوَ النُّورُ الْبَادِي مِنَ الذَّاتِ، وَجَعَلَ الشَّجَرَةَ: الَّتِي هِيَ فَتِيلَةُ الْمِصْبَاحِ الْمُتَوَقِّدِ بِالدُّهْنِ مَثَلًا عَلَى الذَّاتِ الْأَزَلِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا شَجَرَةٌ وَلَا زُجَاجَةٌ وَلَا مِشْكَاةٌ وَلَا مِصْبَاحٌ، وَإِنَّمَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ فِي وَحْدَةِ الذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ، وَإِيجَادِ أَنْوَاعِ الصِّفَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، مِنْ دُونَ تَفْرِيقٍ، ثُمَّ وَلِيَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ مِفْتَاحًا لِأَفْهَامِ الرَّاشِدِينَ وَجُدْرَانًا عَلَى عُقُولِ الْجَاهِلِينَ.
وَقَالَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "قَلَائِدِ الدُّرَرِ"، مِمَّا أَوْرَدَهُ مِنْ كِتَابِ "التَّنْبِيهِ": وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَرَاتِبِ التَّمْثِيلِ الَّذِينَ هُمْ: الْمِشْكَاةُ وَالْمِصْبَاحُ وَالزُّجَاجَةُ وَالْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ قَالَ تَعَالَى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: فَأَحَدُ النُّورَيْنِ: هُوَ الضِّيَاءُ، وَالْآخَرُ: هُوَ النُّورُ الْمُطْلَقُ الْأَصْلِيُّ الْأَحَدِيُّ، وَلِهَذَا أَكْمَلَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أَيْ يَهْدِي بِنُورِهِ الظَّاهِرِ الْمُعَايَنِ فِي الْمَظَاهِرِ السَّارِي فِيهَا، إِلَى نُورِهِ الْمُطْلَقِ الْأَصْلِيِّ الْأَحَدِيِّ، وَإِنَّمَا كَانَ ظُهُورُهُ لِلْخَلْقِ كَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ، إِذْ عَلِمَ أَنْ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُثْبِتُوا لَهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ جَلَالِ الْكِبْرِيَاءِ، لِأَنَّ النُّورَ الْأَصْلِيَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يُدْرَكُ، لِأَنَّهُ عَيْنُ الذَّاتِ مِنْ حَيْثُ التَّجَرُّدِ عَنِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ.




