وَمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَإِعْدَامُ سَلْبِ النُّبُوَّةِ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْمَحْتُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى اقْتِضَاءِ الْحِكْمَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ الْآيَةَ أَتَرَى هُنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَدَّعِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، تَعَالَى ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَلَكِنَّهُ لَوْ شَاءَ فَعَلَ.
أَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَ "صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ": قَدْ أَخَذَنَا بِالْقُدْرَةِ وَنَسِيَ الْحِكْمَةَ.
لِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَادِرٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ حَكِيمٌ قَدْ أَحْكَمَ خَلْقَ الْكَوْنِ بِأَسْرِهِ بِلَفْظَةِ كُنْ فَكَانَ، وَهَذَا الْكَوْنُ الْمَخْلُوقُ بِلَفْظَةِ كُنْ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَبْدِيلٍ أَوْ إِلَى تَغْيِيرٍ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ كَامِلٌ بِذَاتِهِ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللهُ، وَمِنْ هُنَا نَقُولُ: إِنَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ مَحْتُومٌ بِالنَّظَرِ إِلَى اقْتِضَاءِ الْحِكْمَةِ فِي إِيجَادِهِ.
وَفِي الْبَاطِنِ: قَالَ الْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ، فَبِي عَرَفُونِي. وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى مَا عَرَّفَ ذَاتَهُ لِأَحَدٍ، وَلَكِنَّ حِكْمَتَهُ سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ أَنْ يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ رَحْمَةً بِهِمْ وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ -عَزَّ وَجَلَّ- الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَالدُّعَاةَ النَّاطِقِينَ، لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، فَيَهْدِينَا إِلَى طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ الْقَوِيمِ، وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَبِذَلِكَ كَانَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْنَا تَامًّا، وَإِحْسَانُهُ إِلَيْنَا عَامًّا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا 88﴾




