﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إِذَا بَلَغَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرِفَةِ، فَلِمَعْرِفَتِهِ حَدٌّ تَنْتَهِي عِنْدَهُ وَهُوَ مَبْلَغُ اسْتِطَاعَتِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قِلَّةِ مَعْرِفَةِ الْمَخْلُوقِ تِجَاهَ الْخَالِقِ.
وَنُعْطِي مِثَالًا: إِنَّ جِرْمَ الْأَرْضِ مِنَ الصِّغَرِ بِحَيْثُ لَا تَكَادُ تُذْكَرُ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ الْإِنْسَانُ عَلَى وُجُودِهَا حَتَّى الْآنَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْمَجَاهِلِ الَّتِي لَمْ يَكْتَشِفْهَا بَعْدُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ وَالَّتِي هِيَ وَلَا شَكَّ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ، فَإِذَا كَانَ الْفَارِقُ مُدْهِشًا بَيْنَ جِرْمٍ وَآخَرَ فَمَا رَأْيُكَ بِالْفَارِقِ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا 86 إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا 87﴾
قَالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُلَقَّبُ بِالتَّقِيِّ فِي كِتَابِهِ "صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ": إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَادِرٌ فِي كُلِّ حِينٍ عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ جَمِيعَ مَا فِي مُلْكِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ إِذَا شَاءَ ذَلِكَ، وَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ التَّغْيِيرِ، وَبَيْنَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ، وَهُوَ الْقَادِرُ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّ اللهَ بِمَحْضِ الْوَعْدِ لَا يَنْقَلِبُ فَاعِلًا مُوجِبًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ مُخْتَارًا، عَلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ: جَارٍ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ الْمَوَاعِيدِ الْمَحْتُومَةِ وَالْمَشْرُوطَةِ، وَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مُقْتَضَى الْقُدْرَةِ،




