قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ 131﴾
قَالَ الشَّيْخُ حَاتِمٌ الْجُدَيْلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "التَّجْرِيدِ": الْمُرَادُ: ثَبَتَ أَنَّ أَصْلَ الْإِنْسَانِ وَقَوَامَهُ قَلْبُهُ، وَسَائِرُ الْحَوَاسِّ آلَةٌ تُشْبِهُ الْجُنُودَ الْمُجَنَّدَةَ الَّتِي تَخْدُمُهُ وَتَتَحَرَّكُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَمِنْهُ تَسِيرُ الْقُوَّةُ فِي سَائِرِ الْجَوَارِحِ، فَإِذَا فَعَلَتْ إِحْدَى الْجَوَارِحِ فِعْلًا مُنْكَرًا وَقَبِيحًا لَا يُرْضِي اللهَ، عُوقِبَتْ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ تُوجِبُ بُطْلَانَ عَمَلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَيَنْقُصُ مِنْ جُنْدِ الْقَلْبِ إِحْدَى الْحَوَاسِّ الَّتِي كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، فَيَنْدَمُ الْقَلْبُ عَلَى مَا اقْتَرَفَهُ، وَمَا أَمَرَ بِهِ ذَلِكَ الْعُضْوُ مِنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ وَالْمُنْكَرِ فَتَثْبُتُ الْحُجَّةُ عَلَى الْقَلْبِ وَيَقَعُ فِي النُّقْصَانِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: يَعْنِي قَلْبَكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الْمَقْصُودُ بِهِمُ الْجَوَارِحُ وَهُمْ هُنَا الْحَوَاسُّ الْمُجَنَّدَةُ لِخِدْمَةِ الْقَلْبِ، فَهِيَ الَّتِي تَسْتُرُهُ وَتُفْرِحُهُ إِذَا أَمَرَهَا بِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَنَهَاهَا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ وَالْمُنْكَرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: وَالْفِتْنَةُ هِيَ الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعِصْيَانُ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: وَالْمَقْصُودُ بِالرِّزْقِ هَذَا هِيَ هَذِهِ الْحَوَاسُّ الَّتِي وَضَعَهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِخِدْمَةِ الْقَلْبِ فَإِنْ وَجَّهَهَا إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالِائْتِمَارِ بِمَا أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللهُ ارْتَقَى وَصَفَا وَارْتَفَعَ




