قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا 114﴾
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْمِصْرِيَّةِ": شَرَحَ مَعْنَاهُ شَيْخُنَا وَسَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي "فِقْهِ الرِّسَالَةِ" فَقَالَ: فِقْهُهُ وَبَاطِنُهُ أَنَّ الْبَابَ كَانَ يَهْتَمُّ بِالسُّؤَالِ لِلِاسْمِ وَهُوَ الْحِجَابُ، فَيَعْلَمُ الْحِجَابُ مَا فِي نَفْسِ الْبَابِ لِعِلْمِهِ بِمَا يُرِيدُ تَكْوِينَهُ لِأَنَّهُ نُورُهُ وَإِنْ كَانَ صَانِعَهُ، فَيَمْتَدُّ إِلَيْهِ مَا يُرِيدُ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، حَتَّى يُطْلِعَهُ عَلَى عِلْمِ كُلِّ مُكَوَّنٍ وَكَائِنٍ، فَكَانَ الْبَابُ يُلْقِيهِ إِلَى الْأَيْتَامِ لِصَفَائِهِمْ وَعَظَمَةِ مَنْزِلَتِهِمْ مِنْهُ وَمِنَ الْحِجَابِ، وَكَانَتِ الْأَيْتَامُ تُحَقِّقُ الشَّيْءَ، قَبْلَ تَكْوِينِهِ، فَتَكُونُ كَالْمُرْتَقِبِ وَالْمُنْتَظِرِ لِأَمْرَ أَوِ لِوَعْدَ، فَعَلِمَ الْحِجَابُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَقَالَ الِاسْمُ وَهُوَ الْحِجَابُ لِلْبَابِ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ هَذَا خِطَابُ الِاسْمِ لِلْبَابِ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرْحَ مِنَ الْفِقْهِ، فَهُوَ يَجْعَلُهُ خِطَابَ الْمَعْنَى لِلِاسْمِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا﴾ فِي الْخِطَابِ نَهْيٌ، وَالِاسْمُ لَا يَقَعُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ تَحْتَ النَّهْيِ مُحْدَثٌ، وَقَدْ دَلَّلْنَا أَنَّ مُحَمَّدًا -عَزَّ عَزُّهُ- قَدِيمٌ لَا مُحْدَثٌ عَلَى سَبِيلِ التَّكْوِينِ وَلَمَّا كَانَ الْبَابُ مُكَوَّنًا مُحْدَثًا، دَخَلَ تَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ، وَأُلْزِمَ أَنْ يَقُولَ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، لِأَنَّهُ مَرْبُوبٌ مَصْنُوعٌ، وَالْحَقُّ: هُوَ مَعْرِفَةُ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ.




