أَنْ يُرِيَ مَنْ يُرِيدُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالْبَصَرِ الْجِسْمَانِيِّ، كَشَفَ عِنْدَ بَصَرِهِ بِفَاضِلِ الْغِطَاءِ الطَّارِئِ لَهُ مِنَ الْأَكْدَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَجَعَلَ بَصَرَهُ حَدِيدًا يَرَى بِعَيْنِهِ الْجِسْمَانِيَّةِ، مَا فِي عَالَمِ الْغَيْبِ، كَمَا يَرَى بِعَيْنِهِ النَّفْسَانِيَّةِ مَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ لِارْتِفَاعِ الْغَرَائِبِ مِنَ الْمُبِينِ، وَكَوْنُ ظَاهِرِهِ يَحْكُمُ الْبَاطِنَ، وَبَاطِنُهُ يَحْكُمُ الظَّاهِرَ، فَيَرَى بِتِلْكَ الْعَيْنِ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْوَاقِعَ بِحَقِيقَتِهِ، فِي وَقْتِهِ وَمَكَانِهِ، لَا بِصُورَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ شَبِيهَةٍ بِهِ.
فَإِذَا حَصَلَ لِلْعَيْنِ الْجِسْمَانِيَّةِ اللَّطَافَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الْمَلَكُوتِيَّةُ، صَارَتْ بِحُكْمِ الْمَشَاعِرِ الْغَيْبِيَّةِ وَارْتَفَعَ عِنْدَهَا التَّدْرِيجُ الزَّمَانِيُّ، فَتَرَى أَوَّلَ الزَّمَانِ وَآخِرَهُ بِنَظَرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ، لِأَنَّ الْجَسَدَ إِذَا تَلَطَّفَ وَزَالَتْ عَنْهُ الْأَكْدَارُ الْمُعَارِضَةُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآنِيَّةِ صَارَ بِحُكْمِ الرُّوحِ الْمَلَكُوتِيِّ، وَفَعَلَ فِعْلَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْجَسَدِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ الْمَلَكُوتِيَّ إِذَا تَلَطَّفَ وَزَالَتْ عَنْهُ الْأَكْدَارُ، صَارَ بِحُكْمِ الْجَسَدِ وَفَعَلَ فِعْلَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الرُّوحِيَّةِ، فَلَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فِي الْحُكْمِ وَالْأَفْعَالِ وَالْآثَارِ، وَقَدْ يَتَصَرَّفُ صَاحِبُ الْمُعْجِزِ فِي الْمَرْئِيِّ، فَيَجْذِبُ مَا يُرِيدُ إِظْهَارَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ أَوِ الْآنِيَّةِ إِلَى عَالَمِ الشُّهُودِ وَالْحَبْسِ فَيَرَاهُ النَّاظِرُ مُحَتَّمًا عِنْدَهُ، مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِي عَيْنِهِ، بَلْ بِإِعْطَاءِ ذَلِكَ الْأَمْرِ لِبَاسًا شَهَادِيًّا، كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ الْمَشْهُورَةِ.




