إِنَّمَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّحْذِيرُ وَالتَّخْوِيفُ هُوَ لِلْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِمَعْنَى: إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُونُسُ يُوسُفُ كَرْتُو -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَةِ "مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ": هَذَا الْخِطَابُ وَاقِعٌ فِي عَالَمِ الْبَشَرِ الْمَهْبُوطِينَ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْخِطَابُ إِلَى الرَّسُولِ ظَاهِراً وَبَاطِناً وَاقِعٌ عَلَى عَالَمِنَا الْمِزَاجِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا 23 وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا 24﴾
قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابٍ الْبَصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْأَكْوَارِ وَالْأَدْوَارِ النُّورَانِيَّةِ": الْمُخَاطَبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْيَتِيمُ الْأَصْغَرُ، فَأَكَّدَ بِهَذَا النَّهْيِ وَأَلْزَمَهُ الطَّاعَةَ لِسَلْمَانَ وَالْمِقْدَادِ عِنْدَمَا ظَهَرَ لَهُ الْبَابُ، فَلَمَّا بَدَا لَهُ وَظَهَرَ أَكْبَرَهُ وَعَظَّمَهُ وَلَاذَ بِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ، وَخَفَضَ لَهُ كَمَا خَفَضَ لِلنَّجْمِ الْأَوَّلِ، لَا بَلْ أَرَادَ بِخَفْضِهِ أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ تَنَاكُرَ مَا أَبْدَاهُ إِلَيْهِ وَأَظْهَرَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خُوطِبَ بِخِطَابِ الْوُجُودِ بِالنُّطْقِ حِينَ قَالَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، وَالْيَتِيمُ الْأَصْغَرُ نَعْتٌ لَهُ مُنْذُ هَذَا الْخِطَابِ، فَصَارَ فِي وُجُودِ الظُّهُورِ بِالْبَشَرِيَّةِ مَعْرِفَةُ نَعْتِهِ بِالْيَتِيمِ الْأَصْغَرِ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُبْدِيَ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ، وَيُقِرَّ بِهِ لَهُ، فَكَانَتْ إِرَادَةُ الْأَمَدِ لَهُ




