تَقُولُونَ، ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرَوْنِي وَإِنَّمَا دَخَلْتُ هَذَا الْبَدَنَ لِلتَّحْيِيرِ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَكَذَلِكَ الْأَوْصِيَاءُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
وَقَالَ السَّيِّدُ عَبْدُ الْوَهَّابِ النَّجَّار فِي كِتَابِ "قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ": إِنَّ أَمْرَ الْحَمْلِ جَاءَ عَجِيبًا دَالًّا عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ، وَهَذَا لَيْسَ بِأَعْجَبَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِيهَا مِنْ عَجَائِبَ، وَهُوَ تَعَالَى الَّذِي أَوْجَدَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، وَمَا الْحِكْمَةُ فِي أَمْرِهَا بِهَزِّ الْجِذْعِ؟ إِنَّ مَرْيَمَ -عَزَّ عَزُّهُ- لَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا فِي ذَلِكَ الْحِينِ مَنْ يَهْتَمُّ بِأَمْرِهَا، وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى تَجْهِيزِ طَعَامِهَا، وَمَا يَلْزَمُ لِمِثْلِهَا وَالرُّطَبُ: طَعَامٌ حُلْوٌ فَهُوَ أَوْفَقُ طَعَامِ الْوَالِدَةِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ النَّخْلَةَ كَانَتْ يَابِسَةً فَاخْضَرَّتْ وَأَثْمَرَتْ لِوَقْتِهَا، وَذَلِكَ مُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ، وَقُدْرَةٌ قَاهِرَةٌ، دَالَّةٌ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ كُلِّ دَنَسٍ وَلَمْ يَكُنْ عِلْمُ مَرْيَمَ بِبَرَاءَتِهَا مِنَ الدَّنَسِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُطَمْئِنُ نَفْسَهَا، بَلْ أَخَذَتْ تَحْسَبُ أَلْفَ حِسَابٍ لِمَا سَيَقُولُهُ النَّاسُ عَنْهَا وَكَانَتْ تُرِيدُ الْجَوَابَ الَّذِي تُجِيبُ بِهِ مَنْ يَلُومُهَا، وَجَاءَهَا الْفَرَجُ فَلَمَّا أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا ارْتَاعُوا لِهَذَا الْحَدَثِ النَّازِلِ، وَالْخَطْبِ الْعَظِيمِ، لِمَا كَانُوا يَعْلَمُونَهُ فِيهَا مِنَ الطَّهَارَةِ فِي الْمَنْبَتِ، وَطِيبِ الْبِيئَةِ وَالتَّقْوَى الَّتِي نَشَأتْ عَلَيْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا فِيهَا، يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، أَيْ بِدْعًا مُنْكَرًا مِنَ الْإِثْمِ، ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ، سَمِعَتْ مَرْيَمُ قَوْلَهُمْ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتِ الصَّمْتَ، فَأَشَارَتْ إِلَى ابْنِهَا وَهُوَ فِي الْمَهْدِ طَالِبَةً إِلَيْهِمْ أَنْ




