أَوْشَكُ بِأَنَّهَا مُفْتَرِيَةٌ أَوْ بَاغِيَةٌ، مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا الْوَهْمَ وَالشَّكَّ انْعَقَدَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا بُرْهَانَ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، فَالَّذِينَ صَدَّقُوهَا وَجَبَ لَهُمُ الْحَمْدُ لِامْتِثَالِهِمْ أَمْرَهَا، وَوَجَبَ عَلَى الَّذِينَ كَذَّبُوهَا الذَّمُّ.
أَقُولُ: إِنَّ السَّيِّدَةَ مَرْيَمَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- هِيَ مِنْ أَشْخَاصِ الْبَابِ الْكَرِيمِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَقَدْ شَرَّفَهُ الْمِيمُ -عَزَّ عَزُّهُ- عِنْدَمَا أَزَالَ حُكْمَ الْوَحْدَانِيَّةِ مِنْهُ وَظَهَرَ بِهِ وَشَرَّفَهُ بِبَعْضِ النُّورِ الْمُحْدَثِ، لِأَنَّ رُوحَ الْبَابِ خُلِقَتْ مِنْ جَسَدِ الْحِجَابِ الَّذِي ظَهَرَ بِهِ فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَكَانَ لَمَّا ظَهَرَ بِالْبَابِ امْتَزَجَ جَسَدُ الْمِيمِ وَرُوحُ السِّينِ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ مِنْ جَسَدِ الْمِيمِ، فَتَمَازَجَ هَذَانِ النُّورَانِ وَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ أَيْ عِنْدَ التَّشْرِيفِ صَارَ النُّطْقُ اسْمِيًّا، وَقَوْمُهَا: هُمُ الْأَيْتَامُ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ عِدَّةِ الْعَالَمِينَ، قَالُوا عِنْدَمَا شَاهَدُوا مَا لَمْ يَعْهَدُوهُ فِي الْقِبَابِ الْمَاضِيَةِ. ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، لِأَنَّ هَذَا التَّشْرِيفَ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا فِي الْقِبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَهَذَا الِاسْتِنْكَارُ الظَّاهِرُ هُوَ عُنْوَانُ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيقَانِ لِأَنَّ عَوَالِمَ الْأَنْوَارِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْوَهْمُ، بَلْ هَذَا بِنَا لَائِقٌ وَعَلَيْنَا عَائِدٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا 29 قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا 30 وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا 31 وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا 32 وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا 33﴾




