مَوْلَايَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا بْنَ عَازِبٍ لُجْ إِلَى الدَّارِ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي وَسَطِ الدَّارِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ صُحُفٌ كَثِيرَةٌ يَنْظُرُ فِيهَا، فَخَطَرَ لِي أَنْ أَنْظُرَ فِي صَحِيفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّحُفِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا بْنَ عَازِبٍ انْظُرْ، فَأَخَذْتُ صَحِيفَةً فَإِذَا فِيهَا خَلْقِي وَرِزْقِي وَعَمَلِي وَآجَلِي وَعِلْمِي مِنْ حِينِ وُلِدْتُ وَحَتَّى وَقْتِنَا هَذَا، فَاقْشَعَرَّ بَدَنِي وَانْفَتَحَ رَأْسِي، وَخَطَرَ لِي أَنْ أَنْظُرَ فِي صَحِيفَةٍ ثَانِيَةٍ فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا بْنَ عَازِبٍ انْظُرْ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هِيَ مِثْلُ الْأُولَى، فَطَاشَ عَقْلِي وَلُبِّي، وَرَمَيْتُ بِهَا، وَخَطَرَ لِي أَنْ أَنْظُرَ فِي صَحِيفَةٍ ثَالِثَةٍ، فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا بْنَ عَازِبٍ، انْظُرْ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا مِثْلُ الْأُولَى فَرَمَيْتُ بِهَا، ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَازِبٍ رَأَى فِي تِلْكَ الصُّحُفِ جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ فِي دَهْرِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَمْ يَتْرُكْ فِيهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَشَاهَدَ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَعُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَكِتَابُهُمْ سَكَدٌ لَعَنَهُ اللهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّطِيفِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "شَرْحِ دِيوَانِ الشَّيْخِ": جَمِيعُ مَا قَالَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ يَرَوْنَهُ مَسْطُوراً فِي كِتَابٍ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، وَيَرَوْنَ مَا قَالَهُ اللهُ بِهِمْ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ حَقّاً.
قَالَ تَعَالَى: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا 15﴾




