عُرَاةٍ مِنَ اللِّبَاسِ وَهُمْ مُسْتَتِرُونَ بِضِيَاءِ الشَّمْسِ، وَيَسْرَحُونَ لِغُرُوبِهَا، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ لِلْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ التَّرَاكِيبِ الْبَشَرِيَّةِ، الْمُتَسَرْبِلِينَ بِالْبَيَاضِ مِنْ سَلَامَةِ الْأَعْرَاضِ، مِنْ كَوْنِ الْأَسْقَامِ وَالْأَمْرَاضِ، فَهُمْ يَسْتَتِرُونَ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ عَنْ كَوْنِ كِيَانِ الْحِسِّ وَاللَّمْسِ، فَعِنْدَ بُزُوغِهَا يَأْوُونَ إِلَى الْكَهْفِ وَالْمَغَارَةِ، وَعَقِبَ غُرُوبِهَا يَأْتُونَ زُمَرًا وَجَمَاعَاتٍ يَشْتَهِرُونَ لِخباها، وَيَخْتَبِئُونَ بِضِيَائِهَا، تَغَشَّاهُمْ بَوَارِقُ الْأَنْوَارِ، كَالْقَمَرِ فِي السَّرَاريِ، فَيَا لَهُ مِنْ مَثَلٍ مَضْرُوبٍ عَلَى سِرٍّ مَحْجُوبٍ، كَمَنْ رَامَ سُلُوكَ الْأُسْلُوبِ شَهِدَ بِذَلِكَ الطَّائِعُ وَالْعَاصِي وَالدَّانِي كَمَا قِيلَ: مَا لِلَّهِ سِرٌّ إِلَّا وَهُوَ عَلَى أَلْسُنِ خَلْقِهِ، وَلَا لَهُ حِصْنٌ أَمْنَعُ مِنْ جَهْلِهِمْ بِهِ.
وَقَالَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "قُرَّةِ النَّظَرِ": إِنَّ النُّورَانِيِّينَ يَتَوَارَوْنَ تَحْتَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَلَا يَسْتُرُهُمْ غَيْرُ نُورِهَا، فَإِذَا تَوَارَتِ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ، اتَّسَعَتْ أَنْوَارُهُمْ وَشَعَّتْ وَأَضَاءَتِ الضِّيَاءَ الَّذِي يَبْهَرُ.
وَقَالَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "دَانِيَةِ الْقُطُوفِ": أَيْ لَا شَيْءَ يَسْتُرُهُمْ وَيَحْجُبُهُمْ عَنِ الْوُجُودِ غَيْرَ نُورِهَا، فَإِذَا بَزَغَتِ الشَّمْسُ يَأْوُونَ إِلَى الْكُهُوفِ وَإِذَا غَرَبَتْ يَأْتُونَ صُفُوفًا، سَرَابِيلُهُمُ الْبَيَاضُ، طَاهِرِي الْأَعْرَاضِ قَدْ قَدَّمُوا السَّيْرَ مُخْلِعِينَ الْمَخِيطَ، مُتَقَمِّصِينَ فِي النَّوْعِ الْبَسِيطِ.




