مُغَايِرَةٌ بَعْضَهَا، فَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ سَبَقَ مُوسَى فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يَقُولُ: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾، بِالتَّثْنِيَةِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَضِرُ مَعْنًى مِثْلِيًّا، وَالْمَعْنَى الذَّاتِيُّ مَوْجُودٌ، وَمَعَ الذَّاتِيِّ لَا يَكُونُ مِثْلِيًّا، وَبِالْعَكْسِ، وَالْخَضِرُ بِحَسَبِ تَارِيخِ ظُهُورِهِ وَسِيَاقَةِ الْإِزَالَاتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِنَا مُوسَى عَشَرَةُ مَقَامَاتٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخَضِرُ وَلَا قِدَمَ لِأَنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- مِيمٌ مَحْضٌ وَكَانَ قِدَمًا، وَالْقِدَمُ لَا يَتَجَزَّأُ وَبِالتَّالِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ إِلَّا الْمَعْنَى الَّذِي اخْتِيرَ مُوسَى عَلَى وَجْهِ الْمِحْنَةِ، وَإِذَا كَانَ مُوسَى كَلِيمَ اللَّهِ وَاسْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ إِلَّا مَعْنَاهُ فَهَلْ يَصِحُّ افْتِقَارُهُ بِتَعْلِيمِهِ الرُّشْدَ إِلَّا لِغَايَتِهِ وَمَوْلَاهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَحِّدِينَ: إِنَّ الْعَالِمَ هُوَ الْمَعْنَى تَعَالَى، وَإِنَّمَا تَخَيَّلَ لِمُوسَى بِصُورَتَيْنِ جَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَقِيَ مَعَهُ فِي صِفِّهِ عَبْدٌ صَالِحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾، أَيْ صُورَةً أَوْ صِفَةً مِنْ صُوَرِنَا، وَالضَّمِيرُ لِلْمَعْنَى تَعَالَى، وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي رَآهَا مُوسَى بِصِفَةِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ، لِقَوْلِ الْمُوَحِّدِينَ: الْأَسْمَاءُ حُدُودٌ، وَالصِّفَاتُ عَبِيدٌ، وَلِهَذَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا- : ﴿عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾ أَيْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِنَا، وَالْمَعْنَى -عَزَّ وَجَلَّ- لَيْسَ كَالاسْمٍ يَتَجَزَّأُ بِحَدَثٍ وَقِدَمِ صُورَتَيْنِ وَإِنْ أَرَى صُورَتَيْنِ نُورَانِيَّةً وَبَشَرِيَّةً وَقْتَ الظُّهُورِ الْبَشَرِيِّ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ وَصُورَتُهُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ وَالْعِلَّةُ فِي النَّاظِرِ، وَتِلْكَ الصُّورَةُ




