قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْكَرِيمِ مُحَمَّد -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ": ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وَهُوَ الْبَابُ -مِنْهُ السَّلَامُ- ، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ: أَيْ، مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- لِفَتَاهُ وَهُوَ مَوْلَانَا يُوشَعُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَهُوَ الْمَعْنَى، ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، وَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَنْ لَهُ عِلْمٌ أَنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- لَمْ يَفْتَقِرْ بِطَلَبِ الْغَدَاءِ وَلَمْ يَشْكُ مُلَاقَاةَ النَّصَبِ وَالْإِعْيَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾ إِلَّا لِخَالِقِ الْخَلْقِ وَمُنْشِئِ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ الْغَدَاءُ الَّذِي طَلَبَهُ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- مِنْ فَتَاهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- هُوَ الْعِلْمُ مِنْ مَوْلَاهُ لِكَوْنِ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- مُنَزَّهاً عَنِ الْكَثَائِفِ الْبَدَنِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَنِ الْأَطْعِمَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْأَغْذِيَةِ الصُّورِيَّةِ، وَالسَّفَرُ: هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ:
لِقَوْلِ السَّيِّدِ الرَّسُولِ : -عَزَّ عَزُّهُ- سَافِرُوا تَغْنَمُوا، وَهَذَا الْقَوْلُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ لَا يُحِيطُ بِعِلْمِ مَعْنَاهُ:
لِقَوْلِ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّمَا عِلْمُ مُوسَى فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ كَطَيْرٍ آخِذٍ بِمِنْقَارِهِ مِنْ بَحْرٍ، وَقَوْلُ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- لِفَتَاهُ -عَزَّ عَزُّهُ- ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ كَقَوْلِ عِيسَى -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾، وَالصَّخْرَةُ: هِيَ الْفَاءُ، وَالْحُوتُ الْمَنْسِيُّ: دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِ بِمَرْكَزِ الْفَيْضِ الْعَمِيمِ الْمُشْرِقِ لِكَوْنِ الْبَابِ الْكَرِيمِ، بَعْدَ أَنْ آوَوا إِلَى الصَّخْرَةِ بِإِيجَادِهِ مِثَالَ الْفَاءِ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِعْلَانِ وَالنِّدَاءِ مِنَ الشَّجَرَةِ.




