مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

اللِّسَانُ فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ - الْجُزْءُ 4 - الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 359 من 368

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ 89﴾

قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي "الرِّسَالَةِ": أَيْ أَنَّكَ بَلَّغْتَ وَأَنْذَرْتَ، وَأَنَّ الشُّهُودَ بَلَّغُوا وَأَنْذَرُوا الْأُمَمَ عَنْكَ، وَهَؤُلَاءِ الشُّهُودُ الْمُنَبَّؤُونَ السَّبْعَةَ عَشَرَ يَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ. وَجِئْنَا بِكَ يَا مُحَمَّدُ شَهِيداً لِتَشْهَدَ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي التَّبْلِيغِ عِنْدَ الْبَارِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا مِنَ الذَّرْوِ الْأَوَّلِ إِلَى الْقُبَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي كُلِّ عَهْدٍ وَزَمَانٍ.

وَقَالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُلَقَّبُ بِالتَّقِيِّ فِي كِتَابِهِ "صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ": عَنِ الْقُمِّيِّ: أَيْ رَسُولُ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- شَهِيدٌ عَلَى الْأَئِمَّةِ ع وَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ.

وَفِي الْكَافِي عَنِ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ: إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى وَاللهِ مَا تَرَكَ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ عَبْدٌ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ شَيْئاً تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ -عَزَّ عَزُّهُ- فَقَالَ: مَا مِنْ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا وَلَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرِّجَالِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 90﴾

قَالَ السَّيِّدُ الْجَنَّانُ عَظَّمَ اللهُ شَأْنَهُ فِي رِسَالَتِهِ "إِيضَاحِ الْمِصْبَاحِ": الْعَدْلُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ وَجَلَّ- ، ﴿وَالْإِحْسَانُ﴾: فَاطِمَةُ، ﴿وَإِيتَاءُ ذِي الْقُرْبَى﴾: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.

وَجْهٌ آخَرُ: الْعَدْلُ: رَسُولُ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، ﴿وَالْإِحْسَانُ﴾: فَاطِمَةُ -عَزَّ عَزُّهَا- .

وَفِي وَجْهٍ آخَرَ: ﴿الْإِحْسَانُ﴾: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -جَلَّ وَعَلَا- . ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: وَهُمُ الثَّلَاثَةُ لَعَنَهُمُ اللهُ.

وَقَالَ السَّيِّدُ مُحْسِنٌ الْمُلَقَّبُ بِالْفَيْضِ الْكَاشَانِيِّ فِي كِتَابِهِ "تَفْسِيرِ الصَّافِي": عَنِ الْعَيَّاشِيِّ عَنِ الْبَاقِرِ ع قَالَ: الْعَدْلُ: رَسُولُ اللهِ ص. وَالْإِحْسَانُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَالْفَحْشَاءُ الْأَوَّلُ، وَالْمُنْكَرُ: الثَّانِي، وَالْبَغْيُ: الثَّالِثُ لَعَنَهُمُ اللهُ، ﴿وَإِيتَاءُ ذِي الْقُرْبَى﴾: أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَوَدَّتِنَا.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ 91﴾

قَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّطِيفِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "شَرْحِ دِيوَانِ الْمُنْتَجَبِ": كَفِيلاً: أَيْ شَاهِداً بِتِلْكَ الْبَيْعَةِ، فَإِنَّ الْكَفِيلَ يُرَاعِي لِحَالِ الْمَكْفُولِ عَلَيْهِ، رَقِيبٌ عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ مُتَعَهِّدٌ بِصِيَانَةِ السِّرِّ، كَفِيلٌ بِرِعَايَتِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ، مِنْ أَنْ تَنَالَهُ يَدُ ضِدٍّ مُعَانِدٍ، أَوْ عَدُوٍّ حَاسِدٍ رَاصِدٍ.

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ حُسَيْنُ بِمَسْقِسَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْقَمَرِيَّةِ": مَنْ تَمَسَّكَ بِحُبِّ عَلِيٍّ -عَزَّ عَزُّهُ- وَأَهْلِ بَيْتِهِ -عَزَّ عَزُّهُمْ- ، وَأَقَرَّ بِمَعْنَوِيَّتِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، وَتَبَرَّأَ مِنَ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ لَعَنَهُم اللهُ هَذَا هُوَ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ اللهِ، وَصِدْقُ مُوَالَاتِهِ وَشُكْرِهِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ حَاتِمٌ الْجُدَيْلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "التَّجْرِيدِِ": وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِي أَنْكَرُوا وُجُودَ الْبَارِي تَعَالَى، وَأَنْكَرُوا الْعَهْدَ الَّذِي عَاهَدُوهُ يَوْمَ الْأَظِلَّةِ.

أَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى التَّلَامِيذِ وَأَسِيَادِهِمْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ وَالسَّمَاعِ، وَتُؤَكِّدُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمَأْخُوذَةِ عَلَى التِّلْمِيذِ بِأَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةَ سَيِّدِهِ، وَيَحْفَظَ نَصِيحَتَهُ، وَيُجِيبَ دَعْوَتَهُ، وَلَا يَعْصِيَ لَهُ أَمْراً، وَلَا يُفْشِيَ لَهُ سِرّاً، وَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَفِيَ الشُّرُوطَ الْمَأْخُوذَةَ عَلَيْهِ: وَهِيَ تَهْذِيبُ وَلَدِهِ وَتَأْدِيبُهُ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَنْ يَجُودَ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الْأَخْبَارِ، وَيَدُلَّهُ عَلَى مَسَالِكِ الْأَبْرَارِ، وَأَنْ يُلْقِيَ إِلَيْهِ حَقَائِقَهُ، وَيُسَهِّلَ لَهُ طَرَائِقَهُ، وَأَنْ لَا يُحَفِّظَهُ غَلَطاً، وَلَا يُكَلِّفَهُ شَطَطاً، فَهَذَا هُوَ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَصِيَانَةُ السِّرِّ، فَمَنْ أَوْفَى بِذَلِكَ كَانَ قَدْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللهِ. ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، أَيْ: لَا تَتَخَلَّفُوا عَنِ الْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدْتُمُ الْإِمَامَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ عَلَيْكُمْ سِرَّ عَقْدِ ع، م، س، وَأَقْسَمْتُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، وَوَكِيلاً وَشَاهِداً بِاخْتِيَارِكُمْ وَرِضَاكُمْ بِإِقْرَارِكُمْ، فَلَا تَنْقُضُوا مَا عَاهَدْتُمُ اللهَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلِيمٌ بِنَوَايَاكُمْ وَمَا تُخْفِيهِ صُدُورُكُمْ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 93﴾

قَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "تَذْكِرَةِ الْمُرِيدِينَ": فَلَا بُدَّ لِمَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ وَأَدَاءِ حُقُوقِهِ، أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ فِيهِ، وَعَنْ هَذَا الْمَقَامِ نَهَى اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّطِيفِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "شَرْحِ دِيوَانِ الشَّيْخِ": ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾: لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلِيمٌ بِمَنْ يُجِيبُ وَبِمَنْ يُنْكِرُ،

وَلَكِنَّ الْبَلْوَى لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ، وَإِيضَاحِ الْمَحَجَّةِ، تُقَالُ لِمَنْ يَعْمَلُ بِأَمْرٍ، ثُمَّ يَسْعَى لِإِحْبَاطِ مَا عَمِلَهُ.

وَعَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: وَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا: هِيَ عَائِشَةُ.

وَقَالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُلَقَّبُ بِالتَّقِيِّ فِي كِتَابِهِ "صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ":

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ -مِنْهُ السَّلَامُ- ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي وِلَايَتِهِ وَإِذَا بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَدْ وَافَى فِي جَيْشٍ قَامَ غُبَارُهُ، وَكَثُرَتْ صَوَاهِلُ خَيْلِهِ، وَإِذَا بِقُطْبِ رَحًى مَلْوِيٌّ فِي عُنُقِهِ، قَدْ فُتِلَ فَتْلاً. وَبَعْدَ حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَلِمُوا أَنَّهُ تَطَاوَلَ عَلَى مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- فَوَضَعَهُ فِي عُنُقِهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَ ادْعُوا لِي قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ مَشْهُوراً بِالْقُوَّةِ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَمَا حَضَرُوا طَلَبُوا مِنْهُ قَائِلِينَ: فُكَّ هَذَا الْقُطْبَ مِنْ عُنُقِ أَخِيكَ خَالِدٍ، وَحَدَثَ عِتَابٌ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَقَيْسٍ مِنْ أَجْلِ الْخِلَافَةِ، وَأَحَقِّيَّةِ عَلِيٍّ بِهَا، إِلَى أَنْ قَالَ قَيْسٌ: يَا بْنَ أَبِي قُحَافَةَ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي جَوَاباً حَمِيّاً بِلِسَانٍ طَلْقٍ، وَقَلْبٍ جَرِيءٍ، لَوْلَا الْبَيْعَةُ الَّتِي لَكَ فِي عُنُقِي لَسَمِعْتَهُ مِنِّي، وَاللهِ لَئِنْ بَايَعَتْكَ يَدِي لَمْ يُبَايِعْكَ قَلْبِي وَلَا لِسَانِي، وَلَا حُجَّةَ لِي فِي عَلِيٍّ بَعْدَ يَوْمِ الْغَدِيرِ، وَلَا كَانَتْ بَيْعَتِي لَكَ إِلَّا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 94﴾

قَالَ مُحَمَّدُ بُنْ المُفَضَّل -مِنْهُ السَّلَامُ- فِي كِتَابِهِ "آدَابِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ": إِنَّ اللهَ تَعَالَى: فَعَلَ هَذَا بِاسْتِحْقَاقِهِمْ، فَهَدَى قَوْماً اسْتَحَقُّوا الْهُدَى، وَأَضَلَّ قَوْماً اسْتَحَقُّوا الضَّلَالَةُ.

أَقُولُ: إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- ظَهَرَ لَنَا بِصُورَةٍ، وَأَظْهَرَ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ قُدْرَةً، فَالْمُؤْمِنُونَ عَرَفُوهُ بِالْقُدْرَةِ وَنَزَّهُوا ذَاتَهُ عَنِ الصُّورَةِ وَالتَّصْوِيرِ، وَالْجَاحِدُونَ الْمُنْكِرُونَ أَثْبَتُوا عَلَيْهِ التَّخَاطِيطَ وَالصُّوَرَ، وَنَفَوْا عَنْهُ الْمَعَاجِزَ وَالْقُدَرَ، وَقَالُوا عَنِ الْقُدْرَةِ سِحْرٌ وَكَهَانَةٌ، وَلَوْلَا ظَهَرَ -عَزَّ وَجَلَّ- وَحَلَّ بِالْقُدْرَةِ لَمَا جَهِلَهُ أَحَدٌ، وَلَوْ لَمْ يُظْهِرْ مِنَ الصُّورَةِ قُدْرَةً لَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ظَهَرَ بِالصُّورَةِ وَالْقُدْرَةِ حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، فَمَنْ وَقَفَتْ مَدَارِكُهُ عِنْدَ الصُّورَةِ، أَوْقَفَهُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ عِنْدَ وُقُوفِ فَهْمِهِ بِاسْتِحْقَاقِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ قُدْرَتُهُ لَيْسَتْ هَذِهِ صُورَتُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَقَدْ هَدَاهُ اللهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُسْأَلُ كُلٌّ مِنَّا عَنْ أَعْمَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 94﴾

قَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "تَذْكِرَةِ الْمُرِيدِينَ": وَهُمُ الْمُسْتَوْدَعُونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ قَدَمِيَّةٌ فِي الْإِجَابَةِ فِي عَالَمِ الظِّلِّ وَالشَّبَحِ، بَلْ جُعِلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِمُعَاشَرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَ مُفَارَقَتِهِمْ لَهُمْ سُلِبَ مِنْهُمْ مَا اسْتُودِعَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ وَجَدَ أَبَوَيْهِ عَلَى طَرِيقَةٍ فَتَابَعَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ غَوْصٍ فِيهَا، وَلَا بَحْثٍ عَنْ مَعَانِيهَا.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 95﴾

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلْهَلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْبَغْدَادِيَّةِ": هُوَ الْهَجَّامُ الَّذِي يَهْجُمُ عَلَى عُلُومِ الْحَقِيقَةِ، وَيُدْخِلُ الْأَوْهَامَ عَلَى ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْتَحِلُ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَالثَّمَنُ الْقَلِيلُ: هُوَ طَلَبُ الرِّئَاسَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 96﴾

قَالَ الشَّيْخُ حَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ الشِّيرَازِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "التَّنْبِيهِ": الصَّبْرُ: مِنْ شُرُوطِ الْإِيمَانِ.

قَالَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 97﴾

قَالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- فِي كِتَابِهِ "الْحُجُبِ وَالْأَنْوَارِ":

قَالَ مَوْلَانَا جَعْفَرٌ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : هِيَ الْقَنَاعَةُ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 98﴾

الصفحة 359 من 368