قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ 34﴾
قَالَ السَّيِّدُ الْجَنَّانُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ "إِيضَاحِ الْمِصْبَاحِ": إِنَّ الْحَيَوَانَ الْمُسْتَبْهِمَ لَا يَتَكَلَّفُ، وَلَا هُوَ مَأْمُورٌ وَلَا مَنْهِيٌّ، بَلْ أُلْهِمَ مَعْرِفَةَ مَضَارِّهِ وَمَنَافِعِهِ فَقَطْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- سُدًى، فَلَهُ الْعِقَابُ الْمُسْتَمِرُّ مِنْهُ عَاجِلًا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ آجِلًا فِي الْآخِرَةِ، هَذَا هُوَ مَدْلُولُ هَذِهِ الْآيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿۞ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ 35﴾
قَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّطِيفِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "شَرْحِ دِيوَانِ الشَّيْخِ": قَالَ صَاحِبُ "الْمِصْرِيَّةِ" -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- : قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- : الْجَنَّةُ هِيَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- ، فَمَنْ وَصَلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ سَكَنَ الْجَنَّةَ، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: وَهِيَ أَشْخَاصُ فَاطِرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَمُحْسِنٍ -عَزَّ عَزُّهُمْ- ، فَمَنْ عَرَفَهُمْ بِالْحَقِيقَةِ، فَقَدْ وَصَلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ حُسَيْن بِمَسْقَس -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْقَمَرِيَّةِ": الْأَنْهَارُ: رَابِعُ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجِ النُّجَبَاءِ.
أَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الصَّفَاءُ، وَمَعْرِفَتُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالنُّورَانِيَّةِ. ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا مَا شَاهَدُوا مِنَ التَّخَاطِيطِ وَالصُّوَرِ، وَأَثْبَتُوا مَا عَلِمُوا مِنَ الْمَعَاجِزِ وَالْقُدَرِ، وَحَذِرُوا مُخَالَفَتَهُ، وَخَافُوا عِقَابَهُ. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَعْرِفَةِ، أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وُجُوبُ الْجَنَّاتِ. وَالْإِشَارَةُ بِجَرَيَانِ الْأَنْهَارِ: إِلَى مَعْرِفَةِ أَشْخَاصِ الِاسْمِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقُبَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ، وَفِي جَرَيَانِ الْأَنْهَارِ: سِرٌّ مِنَ الْأَسْرَارِ، خَافٍ عَنِ الْأَشْرَارِ، وَلَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْأَخْيَارُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ جَارِيَاتٌ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ، وَكُلَّمَا جَرَتْ قَدْرًا اخْتَلَفَتْ نَهْرًا، بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ وَالصَّفَاءِ، ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾: أَيْ مَعْرِفَتُهَا قَائِمَةٌ أَبَدَ الدَّهْرِ، لِلَّذِينَ عَرَفُوا وَحَقَّقُوا جَرَيَانَ هَذِهِ الْأَنْهَارِ، ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ ارْتَقَوْا﴾: هَذَا جَزَاءٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا وَأَنْكَرُوا السُّلُوكَ فِي الْخَاءَاتِ، وَهِيَ النَّارُ وَبِئْسَ الْقَرَارِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ 36﴾
قَالَ الشَّيْخُ حَسَنُ سَلْمَانَ الْخَطِيبُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "رَوْضَةِ الرَّيَاحِينِ الزَّكِيَّةِ": ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: وَهِيَ الْقُدْرَةُ الَّتِي فَوَّضَهَا لَهُ مَعْنَاهُ.
وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَّانُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "إِيضَاحِ الْمِصْبَاحِ": ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾، وَذَلِكَ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الشُّرَكَاءِ وَإِنْ شُوهِدَ بِصُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ 37﴾
قَالَ الشَّيْخُ حَاتِمٌ الْجُدَيْلِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ "التَّجْرِيدِِ": وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَالْإِشَارَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -عَزَّ عَزُّهُ- .
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ 38﴾
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ نَاصِرٍ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْعَقَائِدِ الرُّوحِيَّةِ":
سُئِلَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: لِكُلِّ دَوْرٍ شَخْصٌ فِيهِ وَالْأَجَلُ الدَّوْرُ. وَالْكِتَابُ: هُوَ صَاحِبُ النُّطْقِ الشَّرْعِيِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَلِي الْقَلْعِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "امْتِزَاجِ الِاسْمِ لِلْبَابِ": الْأَجَلُ: الْكَوْرُ وَالدَّوْرُ، كَمَا قِيلَ: أَجَلُ الشَّيْءِ مُدَّتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ 39﴾
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعْبَةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "حَقَائِقِ أَسْرَارِ الدِّينِ":
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَفَّانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ: إِنَّ اللهَ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ، وَيَمْحُو مَا يَشَاءُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، وَكُلُّ أَمْرٍ بَدَأَ اللهُ فِيهِ، فَهُوَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَلِي الْقَلْعِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "امْتِزَاجِ الِاسْمِ لِلْبَابِ":
أَعْرَبَهَا الْمَوْلَى الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- لِأَبِي عُمَيْرٍ، وَهِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، وَجَعْفَرِ بْنِ النُّمَيْرِيِّ: فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ يَمْحُو اللهُ إِلَّا مَا كَانَ، وَهَلْ يُثْبِتُ إِلَّا مَا لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَمْحُو الصُّورَةَ، وَيُثْبِتُ مَكَانَهَا الْقُدْرَةَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّطِيفِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "شَرْحِ دِيوَانِ الشَّيْخِ": أَيْ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ 40﴾
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ "رِيَاضِ الْأَذْهَانِ": وَهُوَ حَجْبُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَإِبْعَادُهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ. وَيَوْمُ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ: تُجَازَى كُلُّ نَفْسٍ بِعَمَلِهَا خَيْرًا بِخَيْرٍ، وَشَرًّا بِشَرٍّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الشَّابُّ الثِّقَةُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ "الدَّلَائِلِ": دَلَّ سُبْحَانَهُ: أَنَّ اسْمَهُ الْأَعْظَمَ هُوَ الدَّاعِي بِالسِّرِّ وَالْجَهْرِ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَالْمُبَشِّرُ بِمَعْنَوْيَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ 41﴾
قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ عَلِيُّ الْخَطِيبُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "مُوَضِّحَةِ الْبَيَانِ": فَفِي الظَّاهِرِ: أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتِي بِالْأَرْضِ مِنْ أَطْرَافِهَا حَتَّى تَعُودَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ التَّكْوِينِ، مَوْدُوعَةً فِي خَزَائِنِ كُنْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.
وَأَنَا أَقُولُ: فَاللهُ أَكْرَمُ وَأَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَنْفِيَ مُلْكَهُ وَخَلْقَهُ حَتَّى يَعُودَ وَحْدَهُ وَيُعِيدَ مَخْلُوقَاتِهِ بَعْدَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ،
نَظَرًا لِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي دِيوَانِهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- :
لِأَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ لَهُ نَفَادٌ | وَمُلْكُ اللهِ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءُ
|
إِنَّ فِي ذَلِكَ إِشَارَةً، وَذَلِكَ مَنْهَلٌ لِنَظْرَةِ السَّيِّدِ الْيَتِيمِ الْأَكْبَرِ الَّذِي هُوَ أَرْضُ الْبَابِ الْمَنْقُوصُ الْأَطْرَافِ عَقِبَ الْمَرْكَزِ الْوُجُودِيِّ، الَّذِي هُوَ نَظْرَةُ الْبَابِ الْكَرِيمِ، حَتَّى يَكُونَ فِي الظِّلِّ الظَّلِيلِ وَاللَّيْلِ الْأَثِيلِ.
وَرَوَى الْمُفَضَّلُ بْنُ عَمْر -مِنْهُ السَّلَامُ- فِي كِتَابِ "الْهَفْتِ وَالْأَظِلَّةِ" قَالَ:
قَالَ مَوْلَايَ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا مُفَضَّلُ إِنَّ اللهَ عَادِلٌ لَا يَجُورُ، إِنَّهُ فَطَرَ الْخَلْقَ عَلَى الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ هَوَادَةٌ وَلَا قَرَابَةٌ، وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا، فَمَا نَزَلَ مِنَ الْكَافِرِ بِالْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَذَى وَالْعَنَتِ وَالْإِظْهَارِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَمِنْ ذَلِكَ السَّبَبِ. قُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنَّ فِي ذَلِكَ الْعَجَبَ، فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : وَهَلِ الْعَجَبُ فِي سِرِّ اللهِ وَمَكْنُونِ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ فِي فِعْلِهِ مُتَّصِلٌ بِأَسْبَابِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ؟ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِهِ، وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾.
وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو الطَّاهِرِ سَابُورُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ "الطَّالَقَانِيَّةِ":
قَالَ رَسُولُ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : حُكْمُ عَلِيٍّ، حُكْمُ اللهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ عَلِيُّ الْخَطِيبُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "مُوَضِّحَةِ الْبَيَانِ": إِنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ لَهُمْ بِذَلِكَ إِشَارَةٌ، يَعِيهَا مَنِ الْتَقَطَ جَوَاهِرَ الْمَعَانِي مِنْ بِحَارِ التَّوْفِيقِ، وَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجَدِّ، لِاقْتِنَاصِ الْفَحْصِ وَالتَّدْقِيقِ، فَيَجِدُ ذَلِكَ الْعُنْوَانَ مَثَلًا لِنَظْرَةِ السَّيِّدِ الْيَتِيمِ الْأَكْبَرِ، الَّذِي هُوَ أَرْضُ الْبَابِ الْمَنْقُوصُ الْأَطْرَافِ، عَقِبَ الْمَرْكَزِ الْوُجُودِيِّ الَّذِي هُوَ نَظْرَةُ الْبَابِ الْكَرِيمِ، حَتَّى يَكُونَ الظِّلَّ الظَّلِيلَ، وَاللَّيْلَ الْأَثِيلَ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ 42﴾
قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ عَلِيُّ الْخَطِيبُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "مِصْبَاحِ الْعُقُولِ": وَكَانَ مَكْرُهُمْ أَنْ قَالُوا فِي الذَّرْوِ الْأَوَّلِ: بَلَى مَا أَنْتَ رَبَّنَا. فَلَمَّا تَعَالَى مَكْرُهُمْ ظَهَرَ لَهُمْ عَلَى أَمْثَالِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَأَرَاهُمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَالزَّوْجَةَ وَالْوَلَدَ، فَكَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا عَلَيْهِمْ وَمَكْرًا(1).
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ 43﴾
قَالَ الشَّيْخُ الشَّابُّ الثِّقَةُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ "الدَّلَائِلِ": فَالرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- إِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَى أُمَّةٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى غَيْرِ دِينِهِمْ، يَبْدَأُ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ يُقِيمُهُ لَهُ تَعَالَى وَيَكْشِفُ عَنْ بَصَرِهِ، فَيُعَرِّفُهُ الرَّسُولُ تَوْحِيدَ مَوْلَاهُ، وَقُدْرَةَ مَعْنَاهُ عَلَى انْفِرَادٍ وَيُشْهِدُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ يُشْهِدُ اللهَ عَلَيْهِ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. وَهَذَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ.




