أَقُولُ: الْمُرَادُ بِالزَّبَدِ هُنَا: هُوَ مَا أَحْدَثَهُ الثَّانِي اللَّعِينُ وَأَتْبَاعُهُ الْمَلَاعِينُ مِنْ تَحْرِيفٍ وَتَبْدِيلٍ وَتَغْيِيرٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، لِإِثْبَاتِ بَاطِلِهِمْ، وَدَحْضِ الْحَقِّ السَّافِرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْعَلِيُّ الْقَادِرُ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَا زَخْرَفُوهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَمَا رَوَّجُوهُ مِنْ أَبَاطِيلِهِمْ، يَضْمَحِلُّ وَيَتَلَاشَى، ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾: فَهُوَ التَّنْزِيلُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ الَّذِي تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ النَّيِّرَةُ الْمُجَوْهَرَةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾: وَالْأَرْضُ هُنَا: هِيَ الْقُلُوبُ الصَّافِيَةُ الْعَامِرَةُ بِالْإِيمَانِ الْحَقِّ وَمَحَلُّ الْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ وَقَرَارُهُ الْمَكِينُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ 18﴾
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ هَارُونَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "الْبَدَء وَالْإِعَادَةِ": لَوْ أَنَّهُمْ مَلَكُوا جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْعَظِيمَيْنِ عِنْدَهُمْ، لِقُرْبِهِمْ مِنْ كَوْنِهِمْ فِيهَا لِيَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي هُوَ قِيَامُ الْقَائِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ، لَمْ تَنْفَعْهُمْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ إِنَّمَا هِيَ رُسُوخٌ رَسَخَتْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفِي يَوْمِ الْكَشْفِ يَخْرُجُونَ مِنَ الرُّسُوخِ وَيُنْقَلُونَ إِلَى الدَّرْدُورِ وَالْفَاعُوسِ وَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، فَلَا تَنْفَعُهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ فِدْيَةٌ، بَلْ يَمَسُّهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ.




