وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْمِصْرِيَّةِ": وَهُوَ قَمِيصُ الذَّاتِ، وَظُهُورُهُ بِالصُّورَةِ الْيُوسُفِيَّةِ، لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ مَعْنًى مِثْلِيٌّ وَاشْتَبَهَ ذَلِكَ، وَكَانَ ظُهُورُهُ بِالصُّورَةِ الْيُوسُفِيَّةِ، وَهِيَ سَبْعُ الذَّوَائِبِ الَّتِي أَظْهَرَهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ بِمِثْلِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَا فِيمَا بَعْدُ. فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- : اذْهَبُوا إِلَى يَعْقُوبَ فِي طَلَبِ الْحَقِيقَةِ مِنْهُ، فَإِنَّكُمْ تَأْتُونَ مِنْ عِنْدِهِ مُبْصِرِينَ بِغَيْرِ شَكٍّ فِي مَعْرِفَتِي، فَتُصَرِّحُونَ بِالدَّعْوَةِ عَلَى بَصِيرَةٍ، ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾: وَالْوَجْهُ هُنَا هُوَ طَرِيقُ الْحَقِّ وَدَعْوَتُهُ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الِاسْمُ، ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: أَيْ تَأْتُونَ أَنْتُمْ بُصَرَاءَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنٌ أَحْمَدُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "غَنِيمَةِ السَّفَرِِ": وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الرِّسَالَةِ "الْمِصْرِيَّةِ": أَنَّ الْقَمِيصَ الْمُلْقَى هُوَ الذَّاتُ، أَيْ يَزْدَادُ بَصَرًا بِمَعْرِفَةِ الذَّاتِ. وَمِثَالُ هَذَا فِي الْوُجُودِ ظَاهِرًا صَرَاحًا، يُثْبِتُهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُنَجِّمُونَ فَضْلًا عَنِ الْمُوَحِّدِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْلَا الْفِضَّةُ لَمْ يَكُنِ الذَّهَبُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَمَرُ يُقْبِلُ عَلَى الشَّمْسِ، وَيُدَبِّرُ هَيْئَتَهَا لَمْ تُضِيءِ الشَّمْسُ، وَأَظْلَمَ الْوُجُودُ، وَضُرِبَ الْفَلَكُ، وَفَسَدَ الْعَالَمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْقَمَرُ عَلَى الشَّمْسِ أَضَاءَتْ وَفَرِحَتْ بِهِ وَبِإِقْبَالِهِ، وَهُوَ الدَّافِعُ عَنْهَا حَرَارَةَ النَّيِّرَيْنِ وَوَجْهَهَا، وَاحْتِرَاقَ طَبَائِعِهَا بِلِينَةِ بُرُودَتِهِ، فَهُوَ يَقْهَرُ كُلَّ ظُلْمَةٍ، وَيَكْشِفُ بِاعْتِدَالِهِ كُلَّ دَاءٍ، وَلَا نَعْلَمُ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْكَوَاكِبِ أَفْضَلَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِ إِحْيَاءُ الْأَجْسَادِ بِالْأَرْوَاحِ، وَتَوْلِيدُ الْمَوَالِيدِ وَتَقَلُّبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالنَّهَارِ عَلَى اللَّيْلِ.
هَذَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ فِي رِسَالَتِهِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- ، وَقَالَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الرِّسَالَةِ: وَهُوَ قَمِيصُ الذَّاتِ وَظُهُورُهُ بِالصُّورَةِ الْيُوسُفِيَّةِ، بِالْقُدْرَةِ الْقَوِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ الْأَبَدِيَّةِ، فِي السَّبْعَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا، أَيْ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى يَعْقُوبَ -عَزَّ عَزُّهُ- تَأْتُوا مِنْ عِنْدِهِ مُبْصِرِينَ، فَتُصَرِّحُوا بِالدَّعْوَةِ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَأَبَانَ أَنَّ الْقُمْصَانَ وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فِي ظَهْرِ اللَّفْظِ، فَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ: الْأَوَّلُ الصُّورَةُ وَالثَّانِي: نَفْسُ الشَّيْءِ، وَالثَّالِثُ: الذَّاتُ الْيُوسُفِيَّةُ، فَأَيُّ فَرْقٍ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى؟
وَقَالَ الشَّيْخُ حَمْدَانُ الْكَلْبِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "فَصْلِهِ": وَهُوَ قَمِيصُ الذَّاتِ، وَهُوَ ظُهُورُ الْمَعْنَى يُوسُفَ لِاسْمِهِ يَعْقُوبَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: وَالْأَهْلُ: هُمْ أَصْحَابُ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ، كُلُّهُمْ سَجَدُوا لِلِاسْمِ يَعْقُوبَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ 94 قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ 95﴾




