وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْمِصْرِيَّةِ": قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- : هَذَا مَوْضِعُ مَدْحٍ، وَلَيْسَ هُوَ مَوْضِعَ ذَمٍّ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْمَوْلَى يُوسُفَ -عَزَّ وَجَلَّ- ، وَقَدْ أَظْهَرَ الْعَجْزَ حِينَ بَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ، عَلِمَ الْقَائِلُ أَنَّ ذَلِكَ حِكْمَةٌ مِنْهُ، فَتَمَّمُوا إِظْهَارَ الْعَجْزِ بِذِكْرِ التَّلْبِيسِ مِنْهُمْ وَلَبَّسُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ وَكُلُّ سَرِقَةٍ مَذْمُومَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَّا هَذِهِ السَّرِقَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهَا مَدْحٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَتْ ذَمًّا، ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾: أَيْ تَمَّمَ وَلَبَّسَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَهُ مِنْهُمْ مِنَ التَّلْبِيسِ الَّذِي أَظْهَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾: وَالْمَكَانُ هُنَا: هِيَ الْبَلْدَةُ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ لَيْسَ لَهُمْ، وَالْمُرَادُ: أَنْتُمْ مُقِيمُونَ بِشَرِّ مَكَانٍ ذَمًّا مِنْهُ لِبَلْدَتِهِمْ لَا لَهُمْ، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: مِنَ الْعَجْزِ وَالتَّلْبِيسِ، ثُمَّ شَيَّدُوا ذَلِكَ وَتَمَّمُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ أَخْذِ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، وَهُوَ الْفَتْرَةُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا عَلِمُوا بِقُرْبِ الْكَشْفِ وَالظُّهُورِ وَالْخُلُوصِ مِنَ التَّقِيَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنْهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ 79﴾




