بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفُونِي عَنْ طَرِيقِ أَخِيكُمْ بِنْيَامِينَ فَمَمْنُوعٌ عَلَيْكُمْ طَلَبُ هَذِهِ الْعُلُومِ مِنِّي مُبَاشَرَةً.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ 61﴾
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ مَحْمُودُ قَرْفُول -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ": الْمُرَاوَدَةُ: مِنَ الْأَسْرَارِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَالْقَوَانِينِ التَّفْهِيمِيَّةِ، لِلسَّالِكِينَ فِي دَرَجَاتِ هَذَا الْبَيْتِ الْمَتِينِ كَيْ لَا يَأْخُذَ الطَّالِبُ الْعِلْمَ إِلَّا بِأَبُوَّةٍ صَحِيحَةٍ وَصَادِقَةٍ، وَطَرِيقَةٍ وَاضِحَةٍ.
أَقُولُ: لَقَدْ تَعَهَّدَ إِخْوَةُ مَوْلَانَا يُوسُفَ -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَخْذِ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾: مَا أَمَرْتَنَا بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 62﴾
قَالَ السَّيِّدُ مُحْسِنٌ الْمُلَقَّبُ بِالْفَيْضِ الْكَاشَانِيِّ فِي كِتَابِهِ "تَفْسِيرِ الصَّافِي": قَالَ لِغِلْمَانِهِ أَعِيدُوا ثَمَنَ طَعَامِهِمْ، وَمَا كَانُوا جَاؤُوا بِهِ فِي أَوْعِيَتِهِمْ، ذَلِكَ تَوْسِيعًا وَتَفْضِيلًا عَلَيْهِمْ وَتَرْفِيعًا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ ثَمَنَ الطَّعَامِ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَدْعُوهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ ثَانِيَةً.
أَقُولُ: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾: وَهُمُ الْأَبْوَابُ وَمَنْ دُونَهُمْ مِنْ عِدَّةِ الْعَالَمِينَ، ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾: أَيِ احْفَظُوا عَلَيْهِمْ عُلُومَهُمْ وَلَا تُعْطُوهُمْ عِلْمًا لَعَلَّهُمْ يَطْلُبُونَ هَذِهِ الْعُلُومَ وَالْمَعَارِفَ بِالطَّرِيقِ الصَّحِيحِ، وَالْأَبُوَّةِ الصَّادِقَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ بِنَا لَائِقٌ، وَعَلَيْنَا عَائِدٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 63﴾
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْمِصْرِيَّةِ": ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾: أَيْ أَرْسِلْ لِسَانَهُ مَعَ أَلْسِنَتِنَا، ﴿نَكْتَلْ﴾: وَالْكَيْلُ هُوَ الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ، أَيْ يُعَلِّمُنَا عِلْمَ مَعْرِفَةِ مَوْلَانَا، وَإِنَّا لِجَمِيعِ مَا يُلْقِيهِ إِلَيْنَا حَافِظُونَ وَمُقْتَدُونَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 64﴾
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ نَاصِرٍ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْعَقَائِدِ الرُّوحِيَّةِ": أَشَارَ يَعْقُوبُ وَهُوَ الْمِيمُ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي الْقُبَّةِ الْيُوسُفِيَّةِ إِلَى مَوْلَاهُ يُوسُفَ -عَزَّ وَجَلَّ- حِينَ أَرْسَلَ ابْنَهُ بِنْيَامِينَ -مِنْهُ السَّلَامُ- مَعَ إِخْوَتِهِ، فَقَالَ: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى مَوْلَاهُ يُوسُفَ سُبْحَانَهُ.
وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي "الرِّسَالَةِ": فَأَوْجَدَهُمْ يَعْقُوبُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْحَافِظُ، فَأَشَارَ إِلَى الْمَعْنَى الْغَايَةِ، وَكَانَ قَوْلُ يَعْقُوبَ تَعْرِيضًا بِيُوسُفَ وَإِشَارَتَهُ إِلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ 65﴾
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَلِي الْقَلْعِ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "النُّضُودِ":
رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ: دَخَلْتُ إِلَى حَضْرَةِ مَوْلَايَ الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى أَخِيهِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَطَمَ أَخَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ يَلْطِمُهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ قَتَلَ أَخَاهُ، ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ يَقْتُلُهُ، وَمَنْ زَنَى بِحُرْمَةِ أَخِيهِ، ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ يَزْنِي بِحُرْمَتِهِ، وَمَنْ اسْتَحَلَّ مَالَ أَخِيهِ، ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ يَسْتَحِلُّ مَالَهُ، وَمَنْ سَعَى بِأَخِيهِ بِرَدًى، ابْتَلَاهُ اللهُ بِمَنْ يَسْعَى بِهِ بِرَدًى، هَذَا هُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُلَقَّبُ بِالتَّقِيِّ فِي كِتَابِهِ "صَحِيفَةِ الْأَبْرَارِ": عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لِأَنَّهُ يَمِيرُهُمُ الْعِلْمَ، أَمَا سَمِعْتُمْ كِتَابَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- : وَنَمِيرُ أَهلَنَا؟
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ66 ﴾
قَالَ السَّيِّدُ مُحْسِنٌ الْمُلَقَّبُ بِالْفَيْضِ الْكَاشَانِيِّ فِي كِتَابِهِ "تَفْسِيرِ الصَّافِي": لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُعْطُونِي عَهْدًا مُؤَكَّدًا أَنْ تُعِيدُوهُ إِلَيَّ، إِلَّا أَنْ تُغْلَبُوا فَلَا تُطِيقُوا ذَلِكَ أَوْ أَنْ تَهْلِكُوا جَمِيعًا، فَعَاهَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ يَعْقُوبُ اللهُ عَلَيْكُمْ رَقِيبٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ 67﴾
قَالَ الشَّيْخُ حَمْدَانُ الْكَلْبِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي "فَصْلِهِ": أَبْوَابُهَا هُمُ الْمَطَالِعُ الْبَابِيَّةُ الْأَحَدَ عَشَرَ.




