الْفِقْهِ وَالْعِرْفَانِ وَتَنْزِيهًا لِتِلْكَ الْغَايَةِ عَنِ الْهَيْئَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْأَشْكَالِ الْخَيَالِيَّةِ، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: أَيْ مَا هَذَا بَشَرًا كَمَا يَظُنُّ الْجَاهِلُونَ، بَلْ هُوَ الْمَعْنَى الْقَدِيمُ عِنْدَ الْعَارِفِينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ 32 قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ 33﴾
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْمِصْرِيَّةِ": السِّجْنُ: اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى الْمِيمِ لِذِكْرِهِ التَّعْظِيمُ، أَيِ الْمِيمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ.
وَقَالَ الْمِيمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، وَالْمِيمُ رَبُّهُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَا تَبَقَّى مِنَ الْآيَةِ، إِنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ يُوسُفَ فَلَيْسَ هُوَ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا يُصَرَّفُ الْقَوْلُ عَلَى وَجْهِ التَّلْبِيسِ، فَيُثْبِتُ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى، وَمَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ عِنْدَ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ.
كَمَا قَالَ مَوْلَانَا -عَزَّ وَجَلَّ- : أَنَا عَبْدُ اللهِ وَأَخُو رَسُولِ اللهِ، أَيْ حَسَبَ ظَنِّكُمْ بِي وَكَمَا تَزْعُمُونَ، وَقَدْ عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَأَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ.




