آوَى إِلَى الْجَبَلِ، لِيَعْتَصِمَ مِنَ الْوَجَلِ، فَأَصَابَهُ الْخَبَلُ، وَقَارَنَهُ الْخُسْرَانُ وَالْفَشَلُ، بِمَا أَنَّهُ لَا عَاصِمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ شَعْبَانُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "نُزْهَةِ الْأَفْكَارِ": وَحِينَمَا نَادَى نُوحٌ ابْنَهُ: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾، فَهِيَ عِظَةٌ مِنْهُ إِلَيْهِ لِاتِّبَاعِهِ لِكَيْ يَنْجُوَ مِنَ الْغَرَقِ، فَتَكَبَّرَ وَخَالَفَ وَكَفَرَ، وَقَالَ: ﴿سَآوِي إِلَى الْجَبَلِ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. وَالْجَبَلُ هُوَ قَدَمُهُ فِي الْكُفْرِ، وَجَحْدِهِ وَإِنْكَارِهِ، فَحَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَحَلَّ بِهِ الْعَذَابُ الْمُهِينُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَلُّ شَنَانَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "الْجَوْهَرَةِ الْمُضِيئَةِ": إِنَّ الْقَائِلَ لَهُمْ نُوحٌ وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ -عَزَّ عَزُّهُ- ، بِأَنَّ الْمُتَجَلِّيَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الذَّاتِيَّةِ بِالْحُلَلِ الثَّلَاثِ بِالْفُلْكِ السَّامِي، هُوَ رُتْبَةُ الْمَعْبُودِ، وَإِلَهُهُ الْمَقْصُودُ بِاعْتِرَافِهِ لَهُ أَنَّهُ رَبُّهُ وَمُنْجِيهِ وَمُنْجِي قَوْمِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾: أَيْ تَلَاطُمُ ذَلِكَ الْبَرْزَخِ التَّيَّارِ، بِالْفَيْضِ وَالِازْدِهَارِ، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: الْآيَةُ بَيَانًا وَاضِحًا وَبُرْهَانًا شَافِيًا بِأَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْإِجَابَةِ لِذَلِكَ الْوُجُودِ الْمُبِينِ فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ، فَآوَى يَافِثُ إِلَى جِبِلَّتِهِ وَعَادَ إِلَى مَعْدِنِهِ وَظُلْمَتِهِ الَّتِي بَدَا مِنْهَا، وَالْجَبَلُ هُوَ شَخْصُ الْأَوَّلِ، قَالَ نُوحٌ -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ أَيْ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنَ الْغَرَقِ﴾: أَيِ الْهَلَاكِ،




