وَفِي هَذَا الْيَوْمِ قَتَلَ دَاؤُودُ جَالُوتَ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أَحْضَرَ آصْفٌ لِسُلَيْمَانَ عَرْشَ بِلْقِيسَ حِينَ قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرْ﴾1 وَفِي هَذَا الْيَوْمِ نَجَّى مُوسَى مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ سَاجِدِينَ، وَفِيهِ خَلَقَ اللَّهُ حَوَّاءَ، وَفِيهِ أَسْكَنَ آدَمَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ رَفَعَ اللَّهُ إدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا، وَفِيهِ أَهْلَكَ أَصْحَابَ الْفِيلِ، وَفِيهِ أَهْلَكَ عَادًا وَثَمُودَ، وَفِيهِ أَبَادَ قَوْمَ لُوطٍ، وَفِيهِ أَقْلَبَ مُدُنَهُمْ وَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَفِيهِ أَحْيَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْمَوْتَى وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَمَا لِلَّهِ يَوْمٌ هُوَ أَعْدَلُ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرَكَةً وَلَا فَرَحًا وَلَا سُرُورًا مِنْهُ، وَمَنْ عَدَلَ فِيهِ عَنْ مُخَالِفِيهِ وَشُغِلَ بِإِخْوَانِهِ وَلَمْ يُلِمْ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَصَافَحَهُ إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتَ عَبْدِي حَقًّا وَوَلِيَ وَلَكَ ذَخَرْتَ مَا أَنَا مُنْعِمٌ بِهِ عَلَيْكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَيَجِبُ يَا ابْنَ أَيُّوبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ عَارِفٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنْ يَغْتَسِلَ بُكْرَةً وَيَلْبَسَ ثَوْبًا نَظِيفًا وَيَتَبَخَّرَ بِأَطْيَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَبْلُغَ أَكْثَرَ إمْكَانِهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَأَنْ يَجْمَعَ فِيهِ مَنْ عَرَفَ مِنْ إخْوَانِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْرِّينَ الْعَارِفِينَ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ فِي أَمْرِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ مِنَ اللِّبَاسِ فَعَلَ، وَإِلَّا فَسَاوَاهُمْ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَطِيبِهِ، وَلْيَبْدَأْ فِي ذَلِكَ بِأَهْلِ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ والْمُسَكَّنَةِ الَّذِينَ هُمْ فِي عَوَائِقِ الْمِحَنِ، فَإِنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِفِعْلِهِ وَيُخَفِّفُ عَنْهُ الْأَوْزَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ اللَّهُ إلَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي قَدْ آثَرَهُ بِدُنْيَاهُ وَخَوَّلَهُ مُلْكَهُ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ وَقَدْ عَطَفَ عَلَى ذِي الْفَاقَةِ مِنْ إخْوَانِهِ فَوَصَلَهُ وَرَفَعَ قَدْرَهُ وَأَتْحَفَهُ وَسَاوَاهُ بِنَفْسِهِ وَوَصَّلَهُ بِدُنْيَاهُ الَّتِي قَدْ خَوَّلَهُ اللَّهُ وَأَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ: هَذَا عَبْدِي أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ وَمَلَّكْتُهُ، أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِي وَأَخِيهِ فِي مَعْرِفَتِي بِنِعْمَتِي وَتَحَنَّنَ عَلَيْهِ وَوَصَّلَهُ وَرَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ وَسَرَّهُ وَجَبَرَ قَلْبَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، لَأَشْكُرَنَّ مِنَ الَّذِي فَعَلَ فِعْلَهُ وَلَأُحْسِنَنَّ جَزَاءَهُ، وَلَأُكْرَمَنَّ مَثْوَاهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ بِهِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَهُ بِهِ، وَلَأَزِيدَنَّهُ مِنْ تَفَضُّلِي الْوَاحِدَةُ مِنْ أَفْعَالِهِ عَشَرَةً، وَإِنْ كَانَ ذُو الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ عِنْدَهُ مَقْصِيًا مُتَجَانَبًا مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ، وَإِذَا دَنَا إلَى صَاحِبِ الثَّرْوَةِ تَبَاعَدَ عَنْهُ، وَإِنْ غَشِيَهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ، وَإِنْ لَقِيَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ دُنْيَاهُ مَنَّ بِهَا عَلَيْهِ، وَيَقُولُ بِعَقِبِ ذَلِكَ: إنَّ مَوْلَايَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُغْنِيَ هَذَا لَأَغْنَاهُ وَلَكِنَّهُ سَاخِطٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ أَكُونُ أَنَا مُخَالِفًا لَهُ فِي فِعْلِهِ بَلْ أَكُونُ فِي ذَلِكَ مُتَّبِعًا لِمُرَادِهِ فِيهِ، فَيَقْطَعُ مُوَاصَلَتَهُ، وَيَمْنَعُهُ بِرَّهُ، وَلَا يَرَى مُجَالَسَتَهُ، وَلَا مُؤَانَسَتَهُ، وَيَزْرِي عَلَيْهِ فِي خَلَوَاتِهِ وَأَعْظَمُ الْوَيْلِ الْمُحِلُّ بِهِ إذَا وَاجَهَهُ بِمَا سِوَاهُ وَأَعْظَمُ الْوَيْلِ إذَا أنْتَهَرَهُ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُؤْتَى عَلَى وَصْفِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: هَذَا عَبْدِي امْتَحَنْتُهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى أُمَحَّصَهُ عَنْهُ وَأُصَفِّيَهُ مِنْهُ ثُمَّ إنِّي أَعُودُ عَلَيْهِ بِتَفَضُّلِي كَمَا تَفَضَّلْتُ عَلَى مَنْ عَانَدَنِي فِيهِ وَتَشَبَّهَ بِي وَزَعَمَ أَنَّهُ يُرْضِينِي بِفِعْلِهِ وَهُوَ سَخَطِي عَلَيْهِ وَرِضَائِي عَنْ الْمُسَيَءُ إلَيْهِ، أَتَرَاهُ عَلِمَ لِمَ أَحْوَجْتُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا احْتَاجَهُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ كَانَ مَحَلُّهُ فِيهِ مَحَلَّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا احْتَاجَهُ أَنْقُلُهُ وَأَكُرُّهُ فَإِنْ قَدَّمَ فِي ثَرْوَتِهِ شَيْئًا وَأَوْدَعَهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ مَنَعَهُ الْحِرْصُ عَلَى دُنْيَاهُ وَرَغِبَ فِي تَوْفِيرِهَا عِنْدَهُ فِي الثَرْوَةِ وَالْإِمْكَانِ وَلَمْ يُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَيُقَدِّمْ لَهَا مَا يَجِدُهُ عِنْدَ فَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي كَرَّتِهِ فَقْرًا، وَفَاقَةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمُ أَجْرًا﴾2
لِأَنَّ الَّذِي تَدْفَعُهُ إلَى مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَأَقَرَّ بِهِ فَإِنَّمَا تُوْدِعُهُ اللَّهَ وَإِلَيْهِ تَدْفَعُهُ فَهُوَ مَذْخُورٌ وَيَكُونُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى ذَلِكَ الْفَقِيرِ وَمُخَلِّصُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ سَاخِطًا عَلَى الَّذِي أَقْصَاهُ وَهَجَرَهُ وَبَخِلَ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ وَصَاحَ عَلَيْهِ وَأنْتَهَرَهُ وَجَافَاهُ وَتَجَنَّبَهُ حَتَّى يَكْثُرَ تَنَاسُخُهُ فِي هَيَاكِلِ الطُفُولَةِ حَتَّى يُورَدَ عَلَى مَحَلِّ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ الَّتِي أسْتَوْجَبَهَا بِإزَاءِ ثَرْوَتِهِ وَغِنَاهُ وَمُلْكِهِ، فَيَقْتَصُّ مِنْهُ فِعْلَهُ الَّذِي فَعَلَهُ، وَيَجِدُ أَلَمَ ذَلِكَ وَشِدَّتَهُ ثُمَّ يَمْحَصُهُ عَنْهُ إذَا شَاءَ فَطُوبَى لِمَنْ مَالَ إلَى أَخِيهِ فِي ذَلِكَ هَذَا الْيَوْمِ فَبَرَّهُ وَوَصَلَهُ وَأَتْحَفَهُ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ أَوْ لُقْمَةٍ حَسْبَمَا أَمْكَنَهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى لُقْمَةٍ فَيُؤْثِرُهُ بِهَا أَوْ تَمْرَةٍ فَيُوصِلُ بَعْضُهَا إلَى أَخِيهِ، وَأَمَّا مَنْ يُمَكِنُهُ مِنْ عِرَضِ الدُّنْيَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُرْضِي بِهِ مَوْلَاهُ، وَيَرْغَبَ فِي الَّذِي رَغَّبَهُ فِيهِ حَسَبَ طَاقَتِهِ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ أَحْمَدُ عَاقِبَةً وَأَوْفَرُ جَزَاءً فَقُمْ يَا ابْنَ أَيُّوبَ وَارْجَعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ وَافْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ وَاجْمَعْ إلَيْكَ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْ إخْوَانِكَ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَافْرَحُوا وَسُرُّوا فَإِذَا تَكَامَلَ فِيكُمْ السُّرُورُ وَسَأَلُوكَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِهِمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَمْ يَعْهَدُوهُ مِنْك فِي مِثْلِهِ فَبَيِّنْ لَهُمْ مَا بَيَّنْتُهُ وَاشْرَحْ لَهُمْ مَا شَرَحْتُ لَك، وَرَغِّبْهُمْ فِيمَا رَغَّبْتُك فِيهِ، وَأَكِّدْ عَلَيْهِمْ كَمَا أَكَّدْتُ عَلَيْك، وَعِدْهُمْ بِوَفَاءِ ذَلِكَ عَنِّي، وَأَعْدِلْ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْك بِمَعْرِفَةِ هَذَا الْيَوْمِ وَاسْأَلْهُ عَنْ حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِك بِهِ تُقْضَى حَاجَتُك الَّتِي قَصَدْتهَا وَتَسْأَلُهُ مَسْألةَ سُؤالِ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وبِيَدِهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ يُمْضِيهِ هُوَ كَمَا يَشَاءُ فِي وَلِيِّهِ وَعَدُوهُ، أَعَقِلْتَ ذَلِكَ يَا ابْنَ أَيُّوبَ وَوَعِيْتَهُ وَعَلَمْتَهُ وَحَفِظْتَهُ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا مَوْلَايَ فَمَضَيْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إلَى مَنْزِلِي وَالرُقْعَةُ صُحْبَتِي فَوَضَعْتُهَا تَحْتَ مِخَدَّتِي وَأَمَرْتُ بِاصْطِنَاعِ الطَّعَامِ وَالشَرَابِ وَلَمْ أَدَعْ الْجُهْدَ فِي جَمِيعِ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ وَأَمْكَنَنِي حَتَّى أَعْدَدْتُ كُسْوَتِي الَّتِي لِبَدَنِي وَمَالِي الَّذِي ذَخَرْتُه ثُمَّ بَعَثْتُ إلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْعَسْكَرِ مِنْ إخْوَانِي الْمُقْرِينَ بِالْمَعْرِفَةِ فَجَمَعْتُهُمْ إلَى مَنْزِلِي وَافْتَعَلْتُ جَمِيعَ مَا أَمَرَنِي بِهِ مَوْلَايَ وَسَاوَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ، فَلَمَّا أَكَلُوا وَوُضِعَ الشَّرَابُ قَدَّمْتُ مَا كُنْتُ أَعْدَدْتُهُ مِنْ كُسْوَةٍ وَطِيبٍ وَمَالٍ فَكَسَوْتُ وَطَيَّبْتُ وَوَهَبْتُ وَخَلَعْتُ حَتَّى أَشْرَفْتُ عَلَى أَنِّي لَمْ أَدَعْ لِنَفْسِي شَيْئًا أَرْجِعُ إلَيْهِ، فَلَمَّا تَمَّ لِي وَلَهُمْ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ قَالُوا: يَا ابْنَ أَيُّوبَ مَا هَذَا الصَّنِيعُ الَّذِي صَنَعْتَه بِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَهُوَ شَيْءٌ مَا عَهِدْنَا مِنْك فِي مِثْلِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ وَلَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمْ قِصَّتِي مَعَ مَوْلَايَ وَمَا كَانَ مِنْ تَعْرِيفِهِ إيَّايَ فَضْلَ هَذَا الْيَوْمِ وَالصَّنِيعُ وَالِاصْطِنَاعُ فِيهِ وَمَا وَعَدَنِي فِيهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ، وَإِنِّي رَغَّبْتُهُمْ فِيهِ وَأَلْزَمْتُهُمْ إيَّاهُ وَضَمِنْتُ لَهُمْ عَنْهُ فَأَعْلَنَ الْجَمِيعُ بِالْبُكَاءَ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُمْ، وَقَالُوا: أَتَرَى نَعِيشُ إلَى مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ حَتَّى نَصْنَعَ فِيهِ كَصَنِيعِ أَبِي أَيُّوبَ، فَعَسَى أَنْ نَنَالَ وَنَبْلُغَ مَا قَدْ بَلَغَ، ثُمَّ أَنِّي قُلْتُ يَا مَوْلَايَ أَنْتَ أَعْلَمُ وَعَالِمٌ تَشْهَدُ مَا قَدْ بَلَّغْتُ عَنْكَ وَوَعَدُكَ الْحَقُّ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ، ثُمَّ قُلْتُ لِلْجَمِيعِ أَمِّنُوا عَلَى دُعَائِي، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ افْعَلْ فَسَمِعْتُ وَسَمِعَتْ الْجَمَاعَةَ صَوْتًا مِنْ جَانِبِ الْمَجْلِسِ جَهْرًا وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ فَعَلْتُ وَكَرَامَةٌ، فَارْتَعْتُ لِذَلِكَ وَارْتَاعَ الْجَمِيعُ، وَغُشِيَ عَلَى بَعْضِ مَنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِذَا بِالصَّوْتِ ثَانِيَةً يَقُولُ: لَا تَرْتَاعُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ أَسْمَعُ وَأَرَى فَزَالَ عَنَّا الِارْتِيَاعُ، وَزَالَ عَنَّا مَا كَانَ يَغْشَى الْقَوْمَ الَّذِي غَشِيَ عَلَيْهِمْ وَتَمَّ سُرُورُنَا وَفَرَحُنَا، وَانْصَرَفَ الْقَوْمُ إلَى مَنَازِلِهِمْ مُكَرَّمِينَ.
وَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَهْلِي وَحَشَمِي وَمَنْ فِي دَارِي يُعَنِّفُونَ فِي فِعْلِي وَمَا أَسْرَفْتُ فِيهِ، وَأَنَا أَزْجُرُهُمْ وَأَنْتَهِرَهُمْ وَبِتُّ لَيْلَتِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، وَإِذَا بَدَاقٍّ يَدُقُّ عَلَيَّ الْبَابَ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ الْجَوَارِي: اُنْظُرِي مَنْ فِي الْبَابِ فَخَرَجَتْ الْجَارِيَةُ وَعَادَتْ فَقَالَتْ: هَذَا رَسُولُ فُلَانٍ الْكَاتِبِ، فَقُلْتُ: يَدْخُلُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الرَّسُولُ وَمَعَهُ سَفَطٌ وَتُخْتٌ وَكِيسٌ مَخْتُومٌ وَرُقْعَةٌ مَدْرُوجَةٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدِي وَقَالَ: أَتَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ؟ فَقُلْت: فِي دِعَةِ اللَّهِ فَانْصَرَفَ وَتَبَادَرَ إلَيَّ أَهْلِي وَقَدْ تَدَاخَلَهُمْ فَرَحٌ شَدِيدٌ، وَ سُرُورٌ فَفَتَحُوا السَفَطَ فَإِذَا فِيهِ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ مِنْ دَقِّ مِصْرَ، وَحَلُّوا عَنْ التُّخْتِ فَإِذَا فِيهِ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ مِنْ فَاخِرِ خُرَاسَانَ وَمِنْ حُلَلٍ وَمَصْمَتٍ وَنَاتِجٍ وَنَسِيجٍ وَعِتَابِي مِمَّا يَقْطَعُ كُلَّ ثَوْبٍ ثَلَاثُ قُطُوعٍ، وَكَذَلِكَ مَا فِي السَفَطِ، وَحَلُّوا عَنْ الْكِيسِ فَإِذَا فِيهِ خَمْسَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَمِائَةُ نَدَّةٍ مَخْلُوطَةٍ فِي الدَنَانِيرِ وَفَضَضْتُ الرُّقْعَةَ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ وَصَلَتْ رُقْعَتُكَ، وَوَقَفْتُ مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ خَلَلِ حَالِك وَاضَاقَةِ يَدِكَ فَغَمَّنِي ذَلِكَ وَسَاءَنِي وَقَدْ حَمَلْتُ لَك مَا أَمْكَنَ فِي الْوَقْتِ وَأَنَا أُتْبِعُهُ بِمَا يُوَفِّق اللَّهُ تَعَالَى فَاسْتَعِنْ بِذَلِكَ عَلَى أَحْوَالِكَ وَأَصْلِحْ مِنْ شَأْنِكَ، وَصِرْ إلَيْنَا لِنَرَى فِيكَ رَأْيَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا قَرَأْتُ الرُّقْعَةُ تَعَجَّبْتُ مِنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ مَا أَوْصَلْتُ إلَيْهِ رُقْعَةً، وَالرُّقْعَةُ الَّتِي كَتَبْتُهَا وَأَرَدْتُ أَنْ أَدْفَعَهَا إلَى مَوْلَايَ عَادَتْ مَعِي لَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدَهِ وَهَا هِي تَحْتَ مُخَدَّتِي الَّتِي تَحْتَ رَأْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لِبَعْضِ الْجَوَارِي هَلُمِّي الرُّقْعَةَ مِنْ تَحْتِ الْمِخَدَّةِ، فَمَضَتْ لِتَأْتِيَ بِهَا فَلَمْ تَجِدْهَا فَقَالَتْ: يَا مَوْلَايَ لَيْسَ هُنَا رُقْعَةٌ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَتْ: لَا وَاَللَّهِ يَا مَوْلَايَ مَا هَا هُنَا شَيْءٌ، فَقُمْتُ أَنَا إلَى الْمَوْضِعِ وَطَلَبْتُ الرُّقْعَةَ وَأَنَا وَضَعْتُهَا بِيَدِي فَلَمْ أَجِدْهَا وَلَا عَرَفْتُ لَهَا خَبَرًا، فَقُمْتُ مِنْ وَقْتِي إلَى مَوْلَايَ وَحَمَلْتُ مَعِي جَمِيعَ مَا كَانَ حَمَلَهُ إلَيَّ الْكَاتِبُ، فَدَخَلْتُ إلَيْهِ وَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي فَقَالَ: لَا تَقُصَّ يَا ابْنَ أَيُّوبَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا تَقُصُّ، فَقُمْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ.




