فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ، لَتَشْغَلُكُمْ الدُّنْيَا عَنْ تَفَقُّهِكُمْ فِي الدِّينِ، وَعِلِمُكُمْ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ حَتَّى كَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ بِمُحْتَاجِينَ إلَى اسْتِجْلَابِ رِزْقِهِ وَإِسْبَاغِ عَوَافِيهِ وَإِكْمَالِ نِعَمِهِ وَطَلَبِ رِضَائِهِ، فَقُلْنَا لَهُ: إنَّك لَتُشِيرُ إلَى هَذَا الْيَوْمِ بِفَضْلٍ عَظِيمٍ كَأَنَّهُ يَوْمُ زِيَارَةٍ؟
فَقَالَ: إنَّهُ يَوْمٌ يُفَضَّلُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَفِيهِ رَغَّبَ اللَّهُ خَلْقَهُ وَوَعَدَهُمْ فِيهِ عَفْوَهُ وَعَوَافِيَهُ إذَا امْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فِيهِ، وَأَنَا أُعَرِّفُكُمْ ذَلِكَ اعْلَمُوا أَنِّي غَدَوْتُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ إلَى مَوْلَايَ أَبِي الْحَسَنِ -عَزَّ عَزُّهُ- لِأَسْأَلَهُ حَاجَةً عَرَضَتْ لِي إلَى بَعْضِ كُتَّابِ الدَوَاوِينِ وَمَعِي رُقْعَةٌ، فَلَمَّا وَقَفْتُ بِالْبَابِ خَرَجَ إلَيَّ الْخَادِمُ وَقَالَ لِي: أَدْخُلُ، فَدَخَلْتُ إلَيْهِ وَقَدْ صَنَعَ مِثْلَ الَّذِي تَرَوْنَنِي صَنَعْتُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ بَلَلَ لِحْيَتِهِ مِنَ الْغُسْلِ.
فَلَمَّا بَصَرَ بِي قَالَ: يَا ابْنَ أَيُّوبَ هَذَا يَوْمٌ يَتَعَرَّضُ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ إلَى حَوَائِجِهِمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ وَيَدَّعُونَ مَا هُوَ أَقْرَبُ وَأَسْرَعُ وَأَوْجَبُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ اسْمُهُ أَقْسَمَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَرُدَّ لِمُؤْمِنٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ دَعْوَةً وَلَا يَرُدَّ لَهُ وَسِيلَةً وَلَا يُخَيِّبَ أَمَلَهُ وَلَا يَقْطَعَ رَجَاءَهُ وَلَا يُشْمِتَ فِيهِ أَعْدَاءَهُ وَلَا يُمَكِنَ مِنْهُ مَكِيدَهُ وَلَا يُسَلِّمَهُ إلَى حَادِثِ سُوءٍ، وَلَا تَطْرُقَهُ نِقَمٌ وَلَا يَمُرَّ عَلَيْهِ الْهَمُّ، وَأَنْ يُقِيلَهُ فِي كُلِّ عَثْرَةٍ عَثِرَهَا وَيَسْتَقِيلَهُ مِنْهَا، وَيَغْفِرَ لَهُ كُلَّ ذَنْبٍ سَأَلَهُ غُفْرَانَهُ اكْتَسَبَهُ بِجَهَالَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَسَأَلَهُ قَضَاءَهُ عَنْهُ قَضَاهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَدُوٌّ يُغْشِمُهُ وَسَأَلَهُ كَفَّهُ عَنْهُ كَفَّهُ وَأَبْعَدَهُ، وَإِنْ كَانَ كَادَهُ إنْسَانٌ رَدَّ كَيْدَهُ، وَإِنْ عَثَرَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَإِنْ نَامَ حَفِظَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا كَانَ كَالِئَهُ فِي سَفَرِهِ وَخَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ




