كُلُّهَا وَاطْمَأَنَّتْ اَلْأَرْوَاحُ مِنَ اَلْمَوْرِدِ اَلْقَبِيحِ وَأَضَاءَتْ كَلِمَتُهُ وَاسْتَنَارَتْ حُجَّتُهُ وَأُشْعَلَ نُورُهُ فَحِينئِذٍ صَارَ صَائِمُ اَلنَّهَارِ قَائِمُ اَللَّيْلِ قَدْ عَرَفَ وَأَمِنَ وَأَجَابَ إِلَى مَا دُعِيَ وَعَمِلَ بِمَا أُمِرَ فَصَارَ مِمَّنْ قَالَ اَللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أُولَئِكَ اَلَّذِينَ هَدَاهُمْ اَللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو اَلْأَلْبَابِ﴾1
ثُمَّ قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : رَمَضَانُ نُورُ اَلْبَهَاءِ، وَسَنَاءُ اَلْكِبْرِيَاءِ، وَضِيَاءُ اَلْمَلَكُوتِ وَشُعَاعُ اَلْحِجَابِ، وَضِيَاءُ رُوحِ اَلْقُدُسِ، وَمَصَابِيحُ تَكْوِينِ اَللَّاهُوتِيَّةِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ اَلشَّهْرِ تَقْوِيمَهُ وَنُزُولُ الْرُوحِ فِيهِ عَلَى يَدَيْهِ فِي لَيْلَةِ الْبَيَانِ مَا كَانَ وَمَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِي سَنَتِهِ اَلْمُسْتَأْنَفَةِ وَثَبَّتَ اَللَّهُ مَنْ ثَبَتَ بِالْحَقِّ وَنَجَاهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَهُوَ اَلْفَوْزُ وَالْوُرُودُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ عَلَى عِبَادِهِ اَلصَّمْتَ فِي ذَلِكَ اَلشَّهْرِ بِعَيْنِهِ، وَيُكَوِّنَ لَهُ إِكْرَامًا وَإِجْلَالاً وَإِعْظَامًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً فَمَنْ صَمَتَ وَصَانَ أَوْجَبَ اَللَّهُ لَهُ اَلرِضَا وَمَنْ حَفِظَ حُرْمَتَهُ فَقْد قَبِلَ مِنْهُ عَمَلُهُ وَثَبَتَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَمِنْ تَهَاوُنَ وَتَرَكَ اَلصَمْتَ فِيهِ فَلَا يُقْبَلُ صَوْمُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اَللَّهِ مَنْزِلَةٌ إِذَا هُوَ عَذَّبَ نَفْسَهُ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَلَيْسَ لَهُ صِيَامٌ وَتَرْكُ اَلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ اَلصَّوْمَ لِيَعْرِفَ اَلصَّائِمَ مِنَ اَلْمُفْطِرِ كَمَا جَعَلَ اَلرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالْقِيَامَ إِلَى اَلصَّلَاةِ عَلَى مَا يَرَى مِنْهُ، لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِهَا وَكَذَلِكَ اَلصَّائِمُ وَالْمُفْطِرُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِتَرْكِ اَلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَبِالصَّمْتِ يُعْرَفُ أَهْلُ اَلْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَبِاَللَّهِ اَلتَّوْفِيقُ.




