ذَلِيلٌ مِسْكِينٌ: ﴿يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُأْمَرْ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اَللهُ مِنْ اَلصَّابِرِينَ﴾1 فَحَسْرَ اَلْخَلِيلُ عَنْ ذِرَاعِيهِ وَشَدَّ يَدَيِّهِ وَرِجْلَيْهِ، وَأَهْوَى بِالْمُدْيَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَطْرُوحٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ أَفْرَغَ اللهُ اَلصَّبْرَ عَلَيْهِ.
فَنَادَاهُ: يَا أَبَتِ كُنْ عَلَى اَلْبَلَاءِ صَابِرَاً، وَلِلنِّعَمِ شَاكِرَاً، وَأَحَّدَ اَلشَّفْرَةَ وَدَّعْ عَنْكَ اَلْحِيْرَةِ، وَأَفِضِ اَلْعَبْرَةَ وَأُرْفِقْ فِيَّ إِذَا طَرَحْتَنِي وَحَوِّلْ وَجْهَكَ عَنِّي إِذَا ذَبَحَتْنِي، وَلَا تَنْسَنِي إِذَا تَرَكْتَنِي، وَاسْتَغْفِرِ اللهَ لِي كُلَّمَا ذَكَرْتَنِي، وَأمْرِغ ثَوْبَكَ بِالدِّمَاءِ، وَغَسِّلْ وَجْهَكَ بِالْبُكَاءِ، وَاسْتَعٍنْ بِاللهِ عَلَى اَلَسَرَّاءِ وَالضَّرَاءِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ، وَأَنْبَأَتْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ أَصَاَلَتهُ، أَلْقَاهُ اَلْخَلِيلُ إِلَى اَلْأَرْضِ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَهْوَى إِلَيْهِ فِي مُدْيَتِهِ، فَضَجَّتِ اَلْمَلَائِكَةُ وَسَبَحَتْ وَانْكَسَفَتِ اَلشَّمْسُ وَتَكَوَّرَتْ، وَمَاجَتِ اَلْأَرْضُ وَارْتَجَّتْ، وَأَزَلَّتِ اَلْجِبَالُ وَتَصَدَّعَتْ، وَدُهِشَتِ اَلْعُقُولُ وَذُهِلَتْ، وَطَاشَتْ وَتَبَدَّلَتْ وَبُهِتَتْ وَتَحَيَّرَتْ، وَتَشَاجَرَتْ اَلْجِنُّ وَتَعَجَّبَتْ.
فَقَالَ اَللهُ لِمَلَائِكَتِهِ اَلْمُقَرَّبِينَ: كُفُّوا كُلٌّ بِعَيْنِي وَأَنَا أَرْحَمُ اَلرَاحِمِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا لِلْيَقِينِ، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَمَرَّ عَلَى حَلْقِهِ اَلسِّكِّينِ، لِيَقْطَعَ مِنْهُ اَلْوَتِينَ نَادَاهُ اَللهُ رَبُّ اَلْعَالَمَيْنَ أَنَّ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَصَبَرْتَ عَلَى اَلْبَلْوى وَأَنْتَ عِنْدِي مِنْ اَلشَّاكِرِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَقَدْ نَسَخَ اَللهُ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ




