فَقَالَ: "أَدْنُ مِنِّي" فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَصَافَحَنِي وَعَانَقَنِي وَضَحِكَ إِلَيَّ وَسَأَلَنِي عَنْ أَخْبَارِ سَيِّدِي وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَشَرَحْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: "ألْزَمْنِي يَا فَادْوَيْهُ" وَكُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ مَنْ هُوَ تَمْنَعُنِي الْهَيْبَةُ عَنْ ذَلِكَ، وَكُنْتُ جَائِعًا، فَعَلِمَ مَا فِي نَفْسِي وَقَالَ: "يَا غُلَامُ، هَاتِ السَّفْرَةَ" فَجَاءَ بِهَا فَأَكَلْتُ، وَوَثَبَ لِبَعْضِ حَوَائِجِهِ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ غِلْمَانِهِ: بِمَنْ يُعْرَفُ سَيِّدَكَ؟ فَقَالَ: هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ النُّمَيْرِيُّ مِنْهُ السَلامُ أَتَى مُهَاجِرَاً إِلَى مَوْلَانَا أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي -عَزَّ عَزُّهُ- وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ إِلَّا بِأَبِي جَعْفَرٍ النُّمَيْرِيِّ، إِلَى أَنْ وَصَلَ وَدَخَلَ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا، فَحَيَاةٌ وَكَنَّاهُ بِأَبِي شُعَيْبٍ.
وَأُصْعِدَ الْكَوارَ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، فَرَأَيْتُ مِنْ فَضْلِهِ مَا غَمَرَنِي وَمِنْ عِلْمِهِ مَا بَهَرَنِي وَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى أَنْ دَخَلْنَا بَغْدَادَ، فَلَمَّا حَازَيْنَا الْمَشْرَعَةَ قَالَ: "يَا فَادَوَيْهُ، هَذَا مَوْضِعُكَ الَّذِي تَصْعَدُ فِيهِ فَاسْتَخِرْ اللَّهَ وَأقْرِئ سَيِّدِي مِنِّي السَّلَامَ" فَقُلْتُ: بَلْ تَصْعَدُ يَا سِيدِي مَعِي فَتَنْزِلُ عِنْدَ سَيّدِي فَإِنَّهُ مُشْتَاقٌ إِلَيْكَ وَمُحِبٌّ لَكَ وَلِلْقَائِكَ.
فَقَالَ: "إِذَنْ فِي غَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" فَصَعِدْتُ وَأَتَيْتُ إِلَى سَيِّدِي فَسَأَلَنِي عَنْ أَخْبَارِي وَأَمُورِي فِيمَا قَضَيْتُ، فَشَرَحْتُ لَهُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَتَيْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِ سَيِّدِي أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ مِنْهُ السَلامُ فَنَظَرَ إِلَى مُبْتَسِمًا وَأَقْبَلَ يَسْتَعِيدُنِي الْحَدِيثَ وَقَالَ: "يَا فَادَوَيْهُ، بَلَغْتَ دَرَجَةً لَمْ تَكُنْ بَلَغْتَهَا أعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ الَّتِي وَصَفَهَا بَعْضُ حُجَجِ اللَّهِ الْمُقِيمَةِ




