مَوْلَاكَ هَاهُنَا فَذَكَرَنِي مَوْلَايَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرَاً مِنْ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْ سَنَةٍ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: فَقُلْتُ: يَا سِيدِي، وَمَا كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ؟
فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ بِمَدِينَةٍ تُعْرَفُ (بِرَامِزْ هُرْمُزْ) وَقَدْ خَرَجْتُ مَعَ فِتْيَانٍ لِقِتَالِ أَوْلَادِ فَارِسَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، فَلَمَّا تَوَسَطْنَا الْفَلَاةَ خَرَجَ إِلَيْنَا فَارِسٌ رَاكِبٌ فَرَساً أَشْهَبَ مُتَقَلِّدًا بِحُسَامٍ، فَصَرَخَ بِنَا صَرْخَةً كادت الْمَرَائرُ() تَنْفَطِرُ لِعِظَمِ صَوْتِهِ، فَقَتَلَ مِنَّا أَبْطَالَاً وَأَبَادَ شُجْعَانَاً، فَأَخَذَنِي مِنْ ذَلِكَ فَشَلٌ وَرُعْبٌ فَصَاحَ بِي: يَا رُوزْبَةُ (بَيشْ مَنْ بِيَا) يُرِيدُ: أَدْنُو مِنِّي فَدَنَوْتُ إِلَى قُرْبِهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْعَسْكَرِ وَصَرَخَ صَرْخَةً كَادَتْ تَنْفَطِرُ مِنْهَا الْمَرَائِرُ وَعَادَ وَمَعَهُ قَطْفُ عِنَبٍ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ لِي: كُلْ، فَأَكَلْتُهُ، فَهَدَأَ رُوعِي، ثُمَّ حَمَلَ ثَالِثَةً عَلَى الْقَوْمِ فَسَحَقَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: (زِنْهَارٌ زِنْهَارُ) ثُمَّ خَمَدَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وَأَتَى إِلَيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِنَبِ، وَقَالَ لِي: يَا رُوزْبَةُ، إِنِّي مُسَمِّيكَ سَلْسَلًا، ثُمَّ غَابَ عَنْ الْقَوْمِ، فَذَكَرَنِي ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ لِمَا رَأَيْتُهُ بِصُورَتِهِ تِلْكَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى فَرَسِ أَشْهَبَ مُتَقَلِّدٌ بِسَيْفٍ صَمَدٍ وَهُوَ الْمُطَعَمُ لِي بِبَلَدِ فَارِسَ وَالْمُطْعِمُ لِي بِالْحِجَازِ".
وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ هِجْرَتِهِ مِنْ بِلَادِ فَارِسَ، وَصَدْرًا مِنْ أَخْبَارِهِ إِلَى أَنَّ وَرْدَ الْحِجَازِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ سَيّدُنَا رُوزْبَةُ مَعَ حَوَارِيِّي عِيسَى -عَزَّ عَزُّهُ- مُعْلِنًا بِالدَّعْوَةِ وَيَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِرُّ لِعِيسَى بِالرِّسَالَةِ، وَيُحِنُّ اشْتِيَاقَاً إِلَى سَيِّدِنَا الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- إِلَى أَنْ ظَهَرَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَهَاجَرَ إِلَيْهِ كَمَا شَرَحْنَاهُ وَهُوَ رُوْزَبَةُ بْنُ الْمَرْزَبَانِ وَهُوَ الْبَابُ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ.




