وَوَجْهٌ آخَرُ عِنْدَهُمْ: إِنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- كَانَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلٌ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْوَادِ الْمُقَدَّسِ الْمُطَهَّرِ أَتَاهُ النِّدَاءَ: وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ لَا تَصْلُحُ أَنْ يُدَاسَ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- كَانَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا أَرَادَهَا لِأَجْلِ الْآخِرَةِ وَسَبَبَاً يَسْتَوْجِبُ الْإِجَابَةَ وَالتَّوَصُّلَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهَ، فَنَاجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ أَيْ: اخْلَعَ مِنْ قَلْبِكَ حُبَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاشْتَغِلْ بِي فَأَنَا الْغَايَةُ فَلَا يَكُنْ فِي قَلْبِكَ سِوَايَ لِأَنَّ الْقَلْبَ بَيْتِي وَحَرَمِي وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَسْكُنَ فِيهِ غَيْرِي فَلَا تَشْغَلْهُ بِسِوَايَ.
وَرِوَايَتُهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَقَرِيبٌ أَنْتَ فَأُنَاجِيكَ أَمْ بَعِيدٌ فَأُنَادِيكَ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا كَلَامُ الْمُنَبَّأِ يُعْلَمُنَا أَنَّ الْمَعْنَى قَرِيبٌ غَيْرُ بَعِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾1.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾2 أَيْنَمَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ.




