بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾1
وَكَانَ -عَزَّ عَزُّهُ- يَقُولُ فِي الْحَرْبِ: "أَنَا الْمَوْتُ" وَبِهَذَا الْإِسْمِ كَانَتْ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ إِذَا بَرَزَ إِلَيْهَا فِي الْقِتَالِ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: جَاءَكُمْ الْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلْمُخْتَبَرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُشَدِّدُ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَاقِيكَ .
فَكَانَ هَذَا أَمْراً مِنْهُ لِعَبْدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُشَدِّدَ حِيَازِيمَهُ لِلْمَوْتِ فِي الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ. يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ شَيْخِنَا الْخَصِيبِيِّ شَرَفِ اللَّهِ مَقَامَهُ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ:
وَالْمَوْتُ أَعْلَى مِنَ الْقَتْلِ وَالْحَدِيثُ يَطُولُ
"فَالْمَعْنَى هُوَ الْمَوْتُ وَالْإِسْمُ هُوَ الْقَتْلُ" سَمَّتْ الْعَرَبُ مَوْلَانَا جَلَّ ذِكْرَهُ بِهَذَا الْإِسْمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَرُوِيَ لِمَا شَاهَدْتُهُ مِنْ عَظِيمِ بَأْسِهِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ يَقُولُ لَهُ: إِلَى اینَ تَرَید؟ فَيَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَمْضِيَ إِلَى يَتِيمِ أَبِي طَالِبٍ يَعْنِي بِهِ سَيِّدَنَا الرَّسُولَ -عَزَّ عَزُّهُ- لِأُجَادِلَهُ وَأَفَاضِلُهُ.فَيَقُولُ لَهُ: إِرْجِعْ عَنْ مَقْصِدِكَ فَإِنَّ الْمَوْتَ مَعَ يَتِيمِ أَبِي طَالِبٍ يَسِيرٌ إِذَا سَارَ وَيَقِفُ إِذَا وَقَفَ، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ كَانَ كُلُّ مَنْ رَآهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ تَحَايَدَ عَنْهُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ وَيُوَلِّي هَرَباً وَمَنْ لَمْ يَرَهُ يَوَدُّ أَنَّهُ رَآهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى رَسُولِهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾




