وَنَحْنُ نَشْرَحُ مِنْ هَذِهِ الظُّهُورَاتِ الْمِثْلِيَّةِ مَا يَسْتَضِيءُ بِشَرْحِهِ كُلَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ.
وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَلَدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سَعِيدٍ مَيْمُونِ بْنِ الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّيْخَ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْجَلِيَّ نَصْرَ اللَّهِ وَجْهَهُ عَنْ الْمَعْنَى هَلْ يَظْهَرُ بِحِجَابِهِ وَالْحِجَابُ يَظْهَرُ بِبَابِهِ؟ فَأَجَابَنِي أَثَابَهُ اللَّهُ جَوَاباً اسْتَخْرَجْنَا مِنْهُ هَذَا الْفَصْلَ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ مِنْ ظُهُورَاتِ الْأَزَلِ تَعَالَى أَنَّ ظُهُورَاتِهِ كُلَّهَا ذَاتِيَّةٌ، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَهْلُ الصَّفَاءِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَيّبَ الْإِسْم غَيْبَهُ تَحْتَ تَلَأْلُؤِ نُورِ ذَاتِهِ وَغَمْرِهِ وَأَخْفَاهُ وَظَهَرَ كَمَثْلِ صُورَتِهِ، وَهَذَا شَيْءٌ بَاطِنٌ، بَاطِنُهُ أَكْثَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ بَعْدَهُ نِهَايَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَزَلَ مَا زَالَ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِه، وَإِنَّمَا زَالَتْ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ وَتَقَلَّبَتْ فَرَأَتْ غَيْبَةً وَظُهُوراً وَحُجُبَةً وَحُضُوراً، وَجَمِيعُ الْخَلْقِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُغَيّبُ الْمَوْلَى لِلْإِسْمِ وَيَظْهَرُ كَمَثَلِ صُورَتِهِ عَلَى ضُرُوبٍ ثَلَاثَةٌ: فَالْأَوَّلُ: أَهْلُ الصَّفَا وَالثَّانِي: أَهْلُ الْمِزَاجِ بِالصَّفَا، وَالثَّالِثُ: أَهْلُ الْكَدْرِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الصَّفَا: فَيَعْلَمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَوْلَاهُمْ مَا زَالَ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، وَإِنَّهُ مَا حَالَ وَلَا بَطْنَ، هُوَ هُوَ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْمِزَاجِ بِالصَّفَا: فَيَقُولُونَ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ ظَهَرَ كَمِثْلِ صُورَةِ الْحِجَابِ تَشْرِيفًا لْهِ وَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الْوُسْطَى الْمَذْكُورَةُ.




