وَشَيِّدَهَا وَعَلَّاهَا وَحَصَّنَهَا وَاِمْتَنَعَ بِهَا وَلَمْ تَكْبُرْ لَدَيْهِ، مَا أَقَلَّ مَا دَفَعَتْ عَنْهُ مَكَارِهَهُ وَأَحَادَتْ عَنْهُ مَوارِدَهُ فَقَالَ: "يَا جَابِرُ، أَتُحِبُّ أَنْ تَراهُ؟" فَقُلْتُ: وَكَيْفَ لِي بِذٰلِكَ؟ فَصَاحَ فِي وَسَطِ الإِيوَانِ: "يَا كِسْرَى بِنَ بَانِي" فَوَاللّٰهِ مَا اِسْتَتَمَّ مِنْ كَلَامِهِ وَنِدَائِهِ حَتَّى رَأَيْتُ جُمْجُمَةً قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ صَدْرِ الإِيوَانِ تَتَدَحْرَجُ، لَهَا دَوِيٌّ كَدَوِيُّ الرَعْدِ القاصِفُ، فَرَأَيْتُهَا وَهِيَ كَبِيرَةٌ لَمْ أَرَ أَهْوَلَ مِنْهَا وَلَا أَعْظَمَ، فَتَدَحْرَجَتْ حَتَّى وَصَلَتْ بَيْنَ يَدَيْ البَغْلَةِ فَقالَتْ بِصَوْتٍ مُسْمَعٍ: هَا أَنَا كِسْرَى بْنُ يَانِي، مَلَكْتُ أَرْضَ بَابِلَ وَ طأْتُ البِلَادَ وَقَهَرْتُ المُلُوكَ وَقُدْتُ الجُيُوشَ وَشَيَّدْتُ الأَبْنِيَةَ وَعَمَرْتُ الخَرَابَ وَاِنْقَادَتْ لِي الأُمُورُ وَأَذْلَلْتُ وَأَعْزَزْتُ وَقَوَّيْتُ وَأَضْعَفْتُ، وَحَبَوْتُ وَمَنَعْتُ، وَمَا غالَبَنِي أَحَدٌ إِلَّا قَهَرْتُهُ، وَلَا طَاوَلَنِي أَحَدٌ إِلّا قَصَمْتُهُ، وَلَا سَاهَمَنِي أَحَدٌ إِلّا أَبْطَلْتُهُ، مَلَكْتُ ذٰلِكَ كُلَّهُ مَرَّاتٍوَكَرَّاتٍ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِّي بِأَسْرَعِ هَوْنٍ وَأَقْرَبِ حِينٍ، تَجَبَّرْتُ عَلَى المُتَجَبِّرِ الجَبّارِ فَقَصَمَنِي وَتَكَبَّرْتُ عَلَى المُتَكَبِّرِ القَهَّارَ فَقَهَرَنِي وَأَبْدَلَنِي بِكُلِّ نِعْمَةً بُؤْسًا وَبِكُلِّ رَفَاهِيَةً شِدَّةً وَبِكُلِّ نَخْوَةً ذِلَّةً، وَأَحَلَنِي مَحَلَّ الهَوامِّ وَدَوَابِّ الأَنْعَامِ وَجَعَلَ مَوْطِنِي الآجَامَ وَالأَكَامَ، قَالَ جَابِرٌ: وَجَعَلَ يَأْتِي عَلَى كَلَامٍ وَيَصِفُ أَحْوَالًا وَإِنَّ الجُمْجُمَةَ لِمُنْتَصِبَةٌ عَلَى قَصَبَةِ الحُلْقُومِ كَالمُواجِهَةِ حَتَّى اِنْتَهَى كَلَامُهُ فَقَالَ لَهُ مَوْلَايَ: "إِهْوِ إِلَى سَقَرٍ إِلَى يَوْمِ الحَشْرِ" فَكَبَا لِوَجْهِهِ وَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ إِلَى نَحْوِ مَجِيئِهِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ إِلَى أَنْ غَابَ فِي بَعْضِ زَوَايَا الإِيوَانِ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ العَسْكَرِ وَافُوْا نَحْوَنَا لِيَرَوْا عِظَمَ الإِيوَانِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- ثَنَى رِجْلَيْهِ عَلَى عْرَيكَةِ البَغْلَةِ وَكَبَّرَ




