وَأَمّا الَّذِينَ أَحَبُّونَا بِالسِرِّ وَالعَلانِيَةِ: فَهُمْ فِي الطَبَقَةِ العُلْيَا، شَرِبُوا مِنَ المَاءِ الفُرَاتِ وَالمَالِحِ، وَعَلِمُوا تَأْوِيلَ الكِتَابِ وَفَصْلَ الخِطَابِ وَسَبَبَ الأَسْبَابِ، الفَقْرُ وَالفاقَةُ شِعَارُهُمْ، وَالبَلَاءُ وَأَنْواعُ المِحَنِ أَسْرَعُ إِلَيْهِمْ مِنْ رَكْضِ الخَيْلِ مُسْتَهُمْ البَأْسَاءُ وَالضَرَّاءِ وَزُلْزِلُوا وَفُتِنُوا وَقُتِلُوا، فَهُمْ بَيْنَ مَجْرُوحٍ وَمَقْتُولٍ، مُتَفَرِّقُونَ فِي كُلِّ بِلَادٍ قَاصِيَةٍ، بِهِمْ تُشْفَونَ، وَبِهِمْ تُسْقَوْنَ، وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ، وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ، هُمْ الأَقَلُّونَ عَدَدًا، الأَكْثَرُونَ خَطَرًا" فَقَالَ الرَجُلُ: أَنَا مِنْ مُحِبِّيكُمْ فِي السِرِّ وَالعَلانِيَةِ.
فَقَالَ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : "إِنَّ لِمُحِبِّينَا عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا" قَالَ حَنَّانُ: فَقُلْتُ: وَمَا تِلْكَ العَلَامَاتُ؟ قَالَ: "إِنَّهُمْ عَرَفُوا التَوْحِيدَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَأَحْكَمُوا عِلْمَ الإِيمَانِ بِصِفَتِهِ، وَمَا هُوَ حَقُّهُ وَمَا هُوَ صِفَتُهُ، وَعَلِمُوا تَأْوِيلَ الكِتَابِ وَحُدُودَ الإِيْمَانِ وَشُرُوطَهُ وَحُقُوقَهُ" فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، ما رَأَيْتُكَ فَسَّرْتَ الإِيمانَ إِلَّا فِي هٰذَا اليَوْمِ.
قَالَ: "نَعَمْ يَا حِنَّانُ لَيْسَ لِلسَائِلِ أَنْ يَسْأَلَ إِلَّا عَنْ الإِيمَانِ" قَالَ حَيَّانُ: فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُفَسِّرَ لِي مَا قُلْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ يَا حَنَّانُ، نِعْمَ مَا قُلْتَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللّٰهَ بِتَوَهُّمِ القُلُوبِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَقَدْ نَفَى المَعْبُودَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الإِسْمَ وَالمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَجَعَلَ لَهُ شَرِيكًا، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الإِسْمَ دُونَ المَعْنَى فَقَدْ أَقَرَّ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللّٰهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ المَعْنَى بِحَقِيقَةِ الإِسْمِ فَأُولٰئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، يُجِيبُونَهُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ".




