وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ إِشَارَةً مِنَ الْمَعْنَى إِلَى الْبَابِ لِيَدُلَّهَا عَلَى الْإِسْمِ فَيَدُلَّهَا الْإِسْمُ عَلَى الْمَعْنَى فَعِنْدَ ذَلِكَ قَدَّتْ قَمِيصُهُ وَالْقَمِيصُ هُوَ الْقَلْبُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، أَيْ نَفْسُ الشَّيْءِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنْ تَكَ قَدْ ساءَتْكَ مِنِّي خَلِيقَةُ فَسُلِّي ثِيابِي مِنْ ثِيابِكَ تَنْسَلِي
أَيْ خَلِصِي قَلْبِي مِنْ قَلْبِكَ.
وَقالَ الآخَرُ:
فَشَكَكْتُ بِالرُمْحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ. لَيْسَ الكَرِيمَ عَلَى القَنا بِمُحَرَّمٍ
أَيْ شَكَكْتَ قَلْبَهُ بِالرُمْحِ، فَقَدْتُ الْقَمِيصَ وَوَصَلَتْ إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِن طَرِيقِهِ وَوَجْهِهِ.
أَمّا القَمِيصُ الثالِثُ: فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذا فَأَلْقُوْهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾يَعْنِي بِهِ: قَمِيصَ الذاتِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ هٰذا الكَلامُ وَقَدْ جَرَى لَهُ مَعَ إِخْوَتِهِ لِما قالُوا لَهُ: ﴿أإِنْكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ أَيْ: أَنْتَ المَعْنَى فَقالَ: نَعَمْ أَنا المَعْنَى فَاِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذا، أَيْ قَمِيصِ الذاتِ وَالدَعْوَةِ وَاِسْتَبْشِرُوا، وَتَمامُ الآيَةِ تَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ.
﴿فَأَلْقَوْهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ الوَجْهُ هاهُنا طَرِيقُ الحَقِّ: دَلِيلُ ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهُهُ﴾1 أَيْ: كُلُّ طَرِيقٍ وَدَعْوَةٌ هالِكٌ إِلّا طَرِيقُ الحَقِّ وَدَعْوَتُهُ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها الإِسْمُ.




