وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾1 أَيْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَعْنَى وَحِجَابِهِ وَاسِطَةٌ فَاصِلَةٌ يَجْعَلُونَهَا طَرِيقًا إِلَى الْجُحُودِ أُولَئِكَ الْكَافِرُونَ حَقًّا.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهُ إِنَّهُ رَبِّي﴾ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ حِينَ قَالَ: "أَنَا اللَّهُ الْمَأْلُوهُ بِالْإِلَهِيَّةِ" أَيْ: أَنَا اللَّهُ الْمَأْلُوهُ بِإِلَهٍ، وَهَذَا أَعْجَبُ مَوْضِعٍ قَالَ مَوْلَانَا يُوسُفُ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِشَارَتُهُ إِلَى إِسْمِهِ تَعْظِيمًا لِمَنْزِلَتِهِ مِنْهُ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَهُوَ نَفْسُهُ وَسِرُّهُ وَحِجَابُهُ: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أَيْ تَوْحِيدِي وَمَعْرِفَتِي، إِذْ هُوَ الظَّاهِرُ وَأَنَا الْبَاطِنُ، وَهُوَ النَّاطِقُ وَأَنَا الصَّامِتُ وَهُوَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ: أَيْ أَحْسَنَ بُيُوتِي فِي الْعِبَادَةِ لِي وَالْبَلَاغِ عَنِّي وَالْوَاسِطَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي.
وَوَجْهٌ آخَرُ: إِنَّهُ رَبِّي، أَيْ رَبَّى لِي الدَّعْوَةَ الَّتِي نَصَبْتُهُ لَهَا، فَلَمْ يَقْطَعْهُ قَاطِعٌ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ جَعَلْتُهُ الْإِسْمَ الْأَعْظَمَ الرَبَّ الْأَرْحَمَ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ هَذَا وَاقِعٌ عَلَى زُلَيْخَةَ، أَيْ أَحْسَنَ مَثْوَاكَ إِذْ عَرَّفَكِ بِي وَأَنْحَلَكَ تَوْحِيدِي، وَقَدْ جَعَلْتُهُ يَعْرِفُ مِنْكَ مَالَا تَعْرِفِينَهُ مِنْ نَفْسِكَ، وَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْكَ أَنَّكَ حَيْثُ أَوقَفَكِ أَنْ تَقِفِي وَلَا تَطْلُبِي مَالَا يَحِلُّ لَكَ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أَيْ لَا يُفْلِحُ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَجَحَدَ مَكَانَ الْمِيمِ الْمُعَظَّمِ وَمَا أَتَى بِهِ فِي الظُّهُورَاتِ وَالدَّعَوَاتِ.




