فَمَعَ هَذَا لَايَكُونُ ظُهُورُ الأَدْنَى بِالأَعْلَى، بَلْ يَكُونُ ظُهُورُ الأَعْلَى بِالأَدْنَى، كَمَا نَقُولُ: إِنَّ المَعْنَى تَعَالَى لَمَّا أَرَى ذَاتَهُ عَلَى مِثَالِنَا فِي الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ غَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ النَّاسُوتِ، وَهُوَ يَجِلُّ وَيَتَنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَكُونُ هُوَ الظَّاهِرُ كَمِثَالِنَا أَمْ نَحْنُ الظَّاهِرُونَ بِهِ؟ تَعَالَى رَبُّنَا عُلُوّاً كَبِيراً، لَا بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ كَمِثَالِنَا، وَنَحْنُ العَاجِزُونَ وَهُوَ العَلِيُّ القَدِيمُ.
وَسَأَضْرِبُ لِذَلِكَ مَثْلًا: مَارُوِيَ فِي الأَخْبَارِ أَنَّ مَلِكاً مِنْ عُظَمَاءِ المُلُوكِ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ، فَنَزَعَ مَاكَانَ عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسِ العَظَمَةِ وَالهَيْبَةِ وَتَقَمَّصَ بِأَثْوَابِ الرَّعِيَّةِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا عَارِفُوهُ جِدّاً، ثُمَّ اخْتَبَرَ مَاكَانَ مِنْ أَحْوَالِ قَوْمِهِ عَلَى تِلْكَ الهَيْئَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَصْرِهِ وَكُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ فَعَدَلَ بِمَا شَاهَدَ وَعَلِمَ.
فَيَالَيْتَ عِلْمِي أَلَيْسَ الَّذِي بَدَّلَ لِبَاسَهُ هُوَ المَلِكُ؟ وَهَلْ نَقَصَ مِنْ قَدْرِهِ شَيْءٌ؟
فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ صِفَةِ المَخْلُوقِ العَاجِزِ يَتَزَيَّا بِزِيِّ الرَّعِيَّةِ لِكَيْ لَايَهَابُوهُ، لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ مَنْ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؟!! تَبَارَكَ رَبُّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.




