مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِصْبَاحُ العُقُولِ لِمَنْ يَبْغِي سُلَّمَ الوُصُولِ - الشَّيْخِ يُوسُفُ عَلِي الخَطِيبِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 9 من 94

ثُمَّ أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ عَالَمَ المِزَاجِ وَالكَدَرِ وَأَهْبَطَهُمُ الدَّارَ السُّفْلَانِيَّةَ وَوَعَدَهُمْ بِالهُدَى أَي بالظُّهُورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(1) أَيْ: أَقَرَّ بِظُهُورَاتِي، وَهُوَ ظُهُورُهُ لَهُمْ عَلَى صِفَاتِهِمْ.

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَابَالُكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ البَارِي مَعَ عَظَمَتِهِ وَقُوَّةِ سُلْطَانِهِ يُرِي نَفْسَهُ الإِظْهَارَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الكَثِيفَةِ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالأَزْوَاجِ وَالأَوْلَادِ؟ فَلَوْ يَكُونُ أَمِيرٌ مِنْ أَحَدِ الأُمَرَاءِ لَمْ تَحْمِلْهُ نَفْسُهُ عَلَى أَنْ يَلْبَسَ أَصْغَرَ قَوْمِهِ!! فَكَيْفَ وَالبَارِي تَجِيزُونَ أَنْ يُرِي عَلَى نَفْسِهِ هَذِهِ الصِّفَاتِ؟

نَقُولُ لَهُ: يَاهَذَا، لَقَدْ قُلْتَ شَطَطاً، حَيْثُ سَاوَيْتَ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ بِالعَدْلِ وَالرَّأْفَةِ، أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَادِلٌ بِحُكْمِهِ وَاسِعٌ بِعِلْمِهِ، عَلِمَ مِنْ خَلْقِهِ أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ إِدْرَاكِ نِهَايَةِ الَّلَاهُوتِ، فَتَزَايَا لَهُمْ بِصِفَةِ الجَمَالِ بِصُورَةٍ تُشَاكِلُ صُوَرَهُمْ، عَدْلًا مِنْهُ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ لِأَنَّ الجِنْسَ لَايَفْهَمُ إِلَّا عَنْ جِنْسِهِ، كَمَا أَنَّ العَرَبِيَّ لَايَفْهَمُ عَنِ التُّرْكِيِّ وَالزِّنْجِيَّ لَايَفْهَمُ عَنِ البَرْبَرِيِّ، وَكَغَيْرِ أَجْنَاسٍ لَاتَفْهَمُ عَنْ بَعْضِهَا وَهِيَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، بَلْ مِنْ تَبَايُنِ البُلْدَانِ وَاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، وَلَوْلَا إِظْهَارُ الحَقِّ وَتَعْلِيمُهُ لَمْ يَعْقِلُوا شَيْئاً وَلَمْ يَفْهَمُوا أَمْراً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ

الهوامش

1سورةالبقرة: الآية 38.
الصفحة 9 من 94