وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى حُصُولِ كَمَالِ العَقْلِ فِي الرَّجُلِ بِمَا يُوجَدُ مِنْهُ وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ، وَإِعْرَاضِهِ عَنْ رَذَائِلِ الأَعْمَالِ، وَرَغْبَةٍ فِي إِنْشَاءِ صَنَائِعِ المَعْرُوفِ، وَتَجَنُّبِهِ مِمَّا يُكْسِبُهُ وَيُورِثُهُ سُوءاً لِسُمْعَتِهِ، وَبِوُفُورِ العَقْلِ يَجْعَلُ الأَدَبَ وَيُحْسِنُ الذِّكْرَ.
وَمِنْ هُنَا قِيلَ: لَاغِنَى كَالعَقْلِ، وَلَا فَقْرَ كَالجَهْلِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالأَدَبِ. لِأَنَّ الأَدَبَ لَايَكُونُ غَرِيباً وَلَا مُحْتَاجاً، وَإِنْ ضَاقَتْ بِهِ حَالَةٌ كَانَ غَنِيّاً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَحْسِنَ العَقْلَ لَهُ صَاحِباً وَالأَدَبَ رَفِيقاً وَيَكُونُ كَلَامُهُ دِرْيَاقاً شَافِياً، وَمَجْلِسُهُ نَيِّراً هَادِياً.
وَقَالَ سُقْرَاطُ: «العَقْلُ بِلَا أَدَبٍ كَالشَّجَرَةِ العَاقِرِ، وَالعَقْلُ مَعَ الأَدَبِ كَالشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ»، وَقِيلَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ عَقْلُهُ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ هَلَكَ بِأَقَلِّ مَاهُوَ فِيهِ.
وَقَدْ أَثْبَتَتِ الرُّوَاةُ عَنْ أَهْلِ البَيْتِ -عَزَّ عَزُّهُمْ- : أَنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَ فِي مَجْلِسِ أَهْلِ الإِيمَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِماً نَاطِقاً، أَوْ يَكُونَ مُتَعَلِّماً سَائِلاً، وَمُسْتَمِعاً وَاعِياً، وَلَا يَكُونُ مِنَ الرَّابِعَةِ فَيَهْلَكَ.




