هَذَا السِّرِّ المَكْنُونِ المُخْبِرِ عَنْهُ أَنَّهُ لَايَجُوزُ رَقْمُهُ فِي سُطُورٍ إِلَّا مِنْ صُدُورٍ إِلَى صُدُورٍ، وَلَا يَجُوزُ الكَشْفُ فِيهِ إِلَّا بِالإِيمَاءِ وَالهَتْفِ.
وَأَمَّا سُؤَالُكَ عَنْ هَذِهِ الشَّيْنِ الظَّاهِرَةِ: فَهَلْ هِيَ قِدَمٌ أَمْ حَدَثٌ؟
فَهَذَا مِمَّا لَايُنْكَرُ عِنْدَ العُلَمَاءِ ذُو الحُجُورِ الصَّافِيَةِ وَالأَذْهَانِ الوَاعِيَةِ أَنَّ هَذِهِ الشَّيْنِ هِيَ المُحْدَثُ، وَالقِدَمُ مُتَّحِدٌ بِهَا كَاتِّحَادِ الرُّوحِ فِي البَدَنِ.
لِأَنَّنَا قَدَّمْنَا سَابِقاً أَنَّ الِاسْمَ كَيْفِيَّتُهُ نَوْعَانِ، قَدِيمٌ وَمُحْدَثٌ، فَالقَدِيمُ مِثَالٌ عَلَى الرُّوحِ، وَالمُحْدَثُ مِثَالٌ عَلَى الجَسَدِ.
كَمَا رُوِيَ أَنَّ ذَاتَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- لَاتُوجَدُ وَلَا تُرَى إِلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِصِفَةٍ بَديَّةٍ وَصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ، وَسَأَضْرِبُ لِذَلِكَ مِثْلًا: لَمَّا كَانَ مَوْلَانَا العَيْنُ ظَاهِراً وَكَانَ مُحَمَّدٌ اسْمُهُ وَحِجَابُهُ، فَهَلْ كَانَ المِيمُ قِدَماً أَمْ حَدَثاً؟
فَنَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ النَّاطِقَ قَدِيمٌ يَنْطِقُ مِنْ صُورَةٍ مُحْدَثَةٍ، وَكَذَلِكَ الشَّيْنُ الظَّاهِرَةُ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ يَنْطِقُ مِنْهَا القِدَمُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى هَذَا الفَيْضِ المَفِيضِ المُنَزَّهِ عَنِ التَّجْسِيمِ وَالتَّبْعِيضِ، وَاللهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.




