فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ النَّظَرُ إِلَى بَاطِنِ الْمِيمِ، لِأَنَّهُ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. وَهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْقَائِلِ: لَازَوَالَ لَهُ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَحَوَّلُ وَيَزُولُ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الذَّاتِ بَدَا.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الطَّالِبُ رَحِمَكَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، وَشَمَلَكَ الْمَوْلَى بِهِدَايَتِهِ، كَيْفَ أَخْبَرَ بِأَنَّ جِسْمَ السَّيِّدِ مُوسَى الَّذِي هُوَ الِاسْمُ اِسمُ الله الْأَعْظَمِ تَلَاشَى وَسَقَطَ عِنْدَ تَجَلِّي الذَّاتِ لَهُ، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى -جَلَّ وَعَلَا- فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ﴾(1).
وَذَلِكَ الْجَبَلُ الْمَدْكُوكُ هُوَ جِسْمُ السَّيِّدِ مُوسَى الَّذِي خَلَقَهُ مِنْ نُورِ نُورِهِ، وَجَعَلَهُ مَكَاناً لِظُهُورِهِ، فَهُوَ بِهِ أَبَداً يَظْهَرُ، وَبِصِفَاتِهِ يَتَجَلَّى وَيَتَصَوَّرُ وَهُوَ الَّذِي كَوَّنَتْ رُوحُ الْبَابِ.




