أَيْ بِهَذَا التَّمْثِيلِ بَيْنَ فَضْلِ المُؤْمِنِ وَالكافِرِ وَلَوْ كَانَ الكَافِرُ يَظْهَرُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ، أَوْ يَفْعَلُ أَفْعَالاً جَمِيلَةً مِنْ بِرٍّ وَصَدَقَةٍ وَمَنَافِعَ غَزِيرَةٍ، كَوْنُهُ تَغَيَّرَ عَنِ الفِطْرَةِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ المَعْرِفَةُ وَالإِيمَانُ الثَّابِتَانِ بِاللهِ، لِأَنَّ البَارِي تَعَالَى -عَزَّ وَجَلَّ- وَتَعَاظَمَ مَجْدُهُ مِنْ أَنْ يَخْلُقَ الإِنْسَانَ عَلَى فِطْرَةِ الكُفْرِ وَالنِّفَاقِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ يَخْلُقُهُ عَلَى فِطْرَةِ الإِيمَانِ، فَيَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ كَدَرُ مِزَاجِهِ وَتَخَلُّقُهُ بِالخَبَائِثِ وَالنِّفَاقِ، فَيَخْبُثُ مَاؤُهُ وَيَنْتُنُ طَعْمُهُ.
وَفِي هَذَا المَعْنَى ضَرَبَهُمَا اللهُ مَثَلاً بِالبَحْرَيْنِ: العَذْبِ وَالأُجَاجِ لِاخْتِلَافِهِمَا بِالصُّورَةِ المَشَاكِلَةِ وَالمَنَافِعِ، وَاخْتِلَاطِ البَحْرَيْنِ بِالمَاءِ المَشَاكِلَةِ وَالفَوَائِدِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُمَا كَالدُّرَرِ وَغَيْرِهِ، وَسَيْرِ السُّفُنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾(1) أَيْ: تَشُقُّ المَاءَ بِمَوَاخِرِهَا لِاسْتِجْلَابِ الفَوَائِدِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْ هَذَا المَعْنَى تَلْحَظُ أَعْيُنُ المُسْتَبْصِرِينَ أَنَّ هَذَا المِثْلَ وَاقِعٌ بِالعِلْمِ الظَّاهِرِ وَالعِلْمِ البَاطِنِ، إِذْ كِلَاهُمَا بَحْرَانِ، عَذْبٌ فُرَاتٌ أَيْ العِلْمُ مَشْرَبُهُ عَذْبٌ أَيْ حُلْوُ المَذَاقِ فُرَاتٌ مَانِعُ العَطَشِ، أَيْ يَرْوِي شَارِبَهُ، وَيَكُونُ كِفَايَةُ مَشْرَبِهِ.




