وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ كَمَا يَزْعَمُ البَعْضُ أَنَّ صُورَةَ الوُجُودِ هِيَ ظَاهِرُ الذَّاتِ، وَهِيَ قَدِيمُ المِيمِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ المَعْنَى نَوْعَيْنِ وَصِفَتَيْنِ، وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَلَوْ كَانَ المُرَادُ بِقَوْلِهِ نُورُ الذَّاتِ قَدِيمُ المِيمِ: لَكَانَ قَدِيمُ المِيمِ هُوَ الذَّاتِ، لِأَنَّ الذَّاتَ لَيْسَتْ غَيْرَ نُورِهَا، وَلَيْسَ هِيَ نَوْعَيْنِ وَصِفَتَيْنِ، تَعَالَى مَنْ لَايَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ، وَلَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ.
وَمَجْرَى قَدِيمِ المِيمِ عَنْ هَذِهِ الذَّاتِ النَّائرَةِ مَجْرَى الخَيَالِ مِنَ الرَّجُلِ. تَعَالَى مَنْ لَاتُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ قَوْلُهُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- : «فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ النَّظَرُ إِلَى بَاطِنِ المِيمِ.«
وَإِذَا أَرَادَ العَارِفُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى رُوحِ المِيمِ، فَلَا تُمَكِّنُهُ الإِشَارَةُ إِلَّا إِلَى صُورَةِ الشِّينِ الظَّاهِرَةِ، لِأَنَّهَا هِيَ المُحْدَثُ، وَالقَدِيمُ مُتَّحِدٌ بِهَا كَاتِّحَادِ الرُّوحِ فِي البَدَنِ، مُتَّصِلٌ بِهِ بِمَعْنَاهُ كَاتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِالشَّمْسِ.
وَمِنْ عِنْدَ هَذِهِ المَنْزِلَةِ ضَلَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ، بَلْ تَوَهَّمُوا بِأَخْبَارِ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ المُخْبِرَةِ بِقُرْبِ مَنْزِلَةِ المِيمِ مِنْ مَعْنَاهُ، لِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ تَعْلُو القَدْرَ وَتجَاوُزَ الخَطَرَ، وَتَمَسَّكُوا بِأَذْيَالِ التَّقْيِيسِ وَالتَّخْبِيطِ، وَتَعَلَّقُوا




