فَأَمَّا قَوْلُكَ: عَنِ السُّكُونِ وَالحَرَكَةِ؟
فَإِنَّ المَعْنَى تَعَالَى شَأْنُهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ وَلَا عَصْرَ وَلَا زَمَانَ وَلَا سَمَاءَ مَبْنِيَّةً وَلَا أَرْضَ مِدْحِيَّةٍ، قَائِماً بِذَاتِهِ، غَنِيّاً مُنْفَرِداً بِكَيْنُونِيَّتِهِ، لَاشَيْءَ مَعَهُ فَيَصِفَهُ، وَلَا أَحَدَ مَعَهُ فَيَعْرِفَهُ، قَائِماً بِقُدْرَتِهِ، مُنْفَرِداً بِأَحَدِيَّتِهِ، تَقِفُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنِ الجَوَلَانِ عُقُولُ العُقَلَاءِ، وَتَقْتَصِرُ عَنِ الخَوْضِ فِي بَحْرِهِ نُطُوسُ البُلَغَاءِ تَعَالَى شَأْنُهُ وَتَعَاظَمَ مَجْدُهُ وَسُلْطَانُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ السُّكُونِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِناً أَوْ مُتَحَرِّكاً كَانَ لِذَاتِهِ، فَأَرَادَ تَعَالَى شَأْنُهُ أَنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ، فَكَانَتْ عَنْ تِلْكَ الإِرَادَةِ القَوِيَّةِ رُوحُ السَّيِّدِ المِيمِ -عَزَّ عَزُّهُ- .
وَلَمَّا أَبْدَاهُ مَوْلَاهُ نُوراً تَامّاً وَفَيْضاً عَامّاً، نَظَرَ المِيمُ إِلَى مَوْلَاهُ أَيْ مَعْنَاهُ فَرَآهُ ظَاهِراً مَوْجُوداً غَيْرَ غَائِبٍ وَلَا مَفْقُودٍ، فَسَبَّحَ المَعْنَى نَفْسَهُ فَسَبَّحَهُ الِاسْمُ الأَعْظَمُ، وَمَجَّدَ نَفْسَهُ فَمَجَّدَهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ، وَهَلَّلَ نَفْسَهُ فَهَلَّلَهُ الحِجَابُ القَدِيمُ، وَكَانَ ذَلِكَ الإِظْهَارُ الَّذِي أَظْهَرَهُ مَوْلَانَا بِمَقَامِ الحَرَكَةِ بَعْدَ السُّكُونِ.
وَمِنْ تِلْكَ الحَرَكَةِ أَعْنِي إِرَادَةَ الظُّهُورِ كَانَتْ رُوحُ السَّيِّدِ المِيمِ فَسُمِّيَتْ إِرَادَتُهُ بِالظُّهُورِ حَرَكَةً، وَسُمِّيَتْ رُوحُ السَّيِّدِ المِيمِ حَرَكَةً، لِأَنَّهَا ظَهَرَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنِ الإِرَادَةُ كَامِنَةً مَعَ المَعْنَى تَعَالَى كَالنُّطْقِ مِنَ النَّاطِقِ، مَازَالَ صَامِتاً فَيُقَالُ




